|
| |

رؤوس أقلام مدبّبة في الإستمتاع
September 1, 2010
أنا أنتمي للإنسان، ويهمّني جدا أن يحقّق هذا الكائن حضوره اليومي في العالم، يهمّني جداً أن أتحسّس أصابعه وهي تعيد صياغة هندسة الطبيعة، لذا أواصل الكلام في ما يبدو طوباويا، رغم أنّه لا يحتاج الى وسائل باهضة التكاليف بقدر ما يحتاج الى أفراد يتّسمون بالعمق الإنساني وبالإيثارية.
* الجانب الكمالي هو المعيار الحقيقي للصح والخطأ في قراءة كلّ تجربة إنسانية، لأنّه يجسّد الخروج على شروط الحياة الحيوانية ( المأكل والمسكن والأمن )، وهذا يحتّم علينا إعادة قراءة مفهوم ( الرفاهية ) ضمن سياق اللحظة الراهنة، وبالتالي الإقتراب مجدّدا من عائلة الكلمة تحديدا كالترفيه واللهو والاستمتاع.
* لا اتحدّث عن بلد بعينه أو مجتمع بعينه ، فأنا أفترض توفّر شروط الحياة الحيوانية ( المأكل والمسكن والأمن ) ، وأبدأ في قراءة تتجاوز ذلك باتّجاه بناء مجتمع إنساني .
* لا تبدأ الذات الإنسانية بالتشكّل حتى يقف الفرد متسائلا عن جدوى العمل الوظيفي، أو جدوى الطقس الديني، أو جدوى العرف الإجتماعي، أو جدوى كلّ ما يمتّ بصلة لحركته في العالم. ما الجدوى الذاتية والآنية من الفعل أو الحركة؟ وما كميّة ما تقدمه الحركة من جانب كمالي يحقّق فيه إنسانيته الخاصة؟ وما دوره الوظيفي في تأثيث إنسانية الآخر؟ أنّ الوصول الى هذا الحدّ من التوتّر الوجودي يمكن أن يحقّق انتباه حاداً يقود الى سلوكيات وممارسات إنسانية تكنس كلّ ما يقف عائقا أمام تحقّقها.
* الإنسانية وعي يحقّق فيه الفرد انفصاله سلوكيا عن الحياة القطيعية، لكنّه وعي لا يمكن أن يتحقّق خارج إطار الإقامة مع الآخرين، فهو إذن قراءة مغايرة لمفهوم الإنتماء الضيّق، هكذا يكون الإنتماء للإنسان وليس الى فئة منه.
* أعتقد أنّ مفردة ( الإستمتاع) ومشتقاتها يمكن لها أن تكشف- وبوضوح لا يحتاج الى تفصيل- سبب أزمة العالم الراهن وتنامي البؤس فيه، رغم سرعة انفتاح المعرفة، وتنامي صعود تقنية الحياة اليومية. لا أبالغ إن قلت أنّ الإنسانية وعي نادر في الإستمتاع ، لكنّه لم يتحقّق بعد، لأنّ الأفراد بصيغة الجمع لم ينتبهوا إليه، ولأنّ الأفراد بصيغة المفرد– ممن انتبهوا له – لا يزالون بعيدين عن مناطق (السلطة) التي تتولّى عملية إنتاج المعرفة الحياتية وتأثيثها سلوكيا.
* الإستمتاع هو الإنشغال جماليا بالعالم، هو الشفافية التي تجعل الفرد نقيّا أمام ذاته. هو القدرة على الفرح أمام مجهولية الولادة والموت.
* العالم أعمق بكثير من التصوّرات الجاهزة ، وفيه من الامكانية على الغواية ما يجعلنا نكرّر البحث ثانية وثالثة وبلا انتهاء.
* الإنسان هو الجزء الأكثر حياة في العالم، لأنّه يمتلك القدرة على الخلق، سينزل الروبوت ليعيش بين الناس، وسيقود تظاهرات ضدّ العنف في العالم، ضدّ الأميّة التي تحارب الحواس.
* غبيّ، ذلك الذي لا يستمتع بلحظته الخاصة جداً الى أقصاها، حياتي هي لحظتي الخاصة جدا، والإستمتاع هنا بدلالة استنفار الحواس الى أعاليها القصوى، تلمّس الأشياء كما لو أنّها تولد توّا، كنس التعاريف السابقة، والبدء عبر ولادة دائمة.
* لا يكون الإنسان إنسانا حتى ينتبه الى الجانب الكمالي في حياته الخاصة جدا، ولا يكون العالم إنسانيّا حتى يمتلك تشريعا يمحو الصورة الخدمية الفجّة للفرد في العالم، ويضمن له حقّ الإنشغال بنفسه في الحياة داخل العالم. وبين ( الفرد والعالم ) تأتي غابة التدرّجات الطيفيّة للمجتمع الإنساني، من عائلة، قبيلة، نقابة، حزب، دين، دولة، أمّة، فتحالفات، فهيئة أمم، وكلّ هذه التدرّجات مسؤولة بحكم إنتمائها للنوع البشري عن رفع مستوى رفاهية الإنسان في العالم.
* أذكر كلمة (رفاهية) فلا أفكّر بغير المجتمع المدني، لذا أقول أنّ برنامجا سياسيّا لا يضع أساسا للترفيه في آليات اشتغاله، لا يمكن أن يكون برنامجا مدنيّا، وبالتالي لا يمكن أن يكون إنسانيّا. أقول هذا لأنّ الانسانية-الآن- تتجلّى في المجتمع المدني تحديدا، وتتجلّى بشكل أكثف في نسبة الجانب الكمالي داخل بنية المجتمع المدني، وعليه فإنّ مجتمعا مدنيّا بلا ترفيه، لا يمكن أن يكون مجتمعا إنسانيّا.
* أتحدّث عن المجتمع المدني ولا أقصد الإقامة في بنايات ذات مصاعد، بقدر ما أقصد الإقامة داخل منظومة معرفية منفتحة على الآخر، ولا تطرح نفسها كمعرفة مطلقة ( يعني أن تكون القدرة على الإستماع لديها مساوية إن لم تكن أكثر من القدرة على القول) .
* المدنيّة هي الشعور بالأمان تجاه الآخر، بل ينبغي الوصول الى معرفة أنّ الآخر نافذة لتحقّق الذات في العالم، فبهذه الطريقة وحدها يمكن التعايش بحبّ وهذا ما يقرّب وعي الإستمتاع.
* الإنسان موجود، وهو بوجوده هذا يتساوى مع كلّ شيء موجود في العالم، ويتساوى مع الوجود الحيواني تحديدا من حيث توفير (المأكل والمسكن والأمن)، إلا أنّ الإنسان يتفوّق عليه بمقدار ما يمتلك من رفاهية، وينحدر عن الوجود الحيواني بمقدار ما يفقد من الشروط الحياتية سالفة الذكر، وهنا لا يختلف المساهم في خلق هذا الواقع عن المقيم فيه، بل على العكس إنّ خالق الأزمة الإجتماعية أكثر إنحدارا في السلّم الإنساني من المقيم فيها قسرا.
* الإنسان يحقّق إنسانيته كلّما كان أقرب الى الاستمتاع بوجوده في العالم، والإستمتاع هنا يفترض بدءا سهولة في العيش تمسح عن فكر الفرد قلق البقاء، وسهولة العيش دلالة على إيثاريّة النظام الإجتماعي، وصعوبته دلالة إستئثار.
* أقرأ الإيثار بدلالة التأميم، وأقرأ الإستئثار بدلالة الإحتكار.
* يحدث أن تكون كسرة الخبز تهديداً حقيقياً بالإنقراض، ويحدث أيضا أن يتمنّى الفرد بلوغ قانون الغابة ليعرف مثلا أنّ البقاء للأقوى وليس البقاء للصدفة، وحين يصل الفرد الى مستوى أن يكون حيّا بالصدفة فإنّ هذا يعني أنّ المستوى الإجتماعي للتكتّلات التي تؤثث فضاء العيش فيه بلغت من ( الإستئثار/الإحتكار) حدّ أن لا يكون الفرد ملزما باتباع أيّ منها، وهنا عليه أن يتّبع غريزة البقاء في حماية نفسه الى النهاية.
* الحديث عن (الإستمتاع) يعني الحديث عن مستوى من الوعي تجاوز موضوع تبرير وجوده في العالم، واتّجه عميقا في التمتّع بوجوده أصلا، أي أن يكون الإستمتاع تبريراً للوجود في العالم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من تجاوز للحياة الحيوانية.
* ينبغي غسل المفردات–الإستمتاع، التمتّع، المتعة، الرفاهية، الترفيه، اللّهو- من الدلالات النمطية العالقة بها نتيجة قراءات ذات قصدية عالية في تحجيم حركة الإنسان وجعله أكثر التصاقا بجذره الحيواني، رغم أنّ هذه القراءات نفسها تنفي عنه هذا الجذر، وتجعل بدايته تحت لفظة ( كن) فكان .
* ينبغي الصعود في قراءة (الإستمتاع ومشتقاته) كوجه آخر للجدّيّة في حياة الإنسان، بل ينبغي الصعود في القراءة الى أنّها تمثّل أقصى ما بلغته الانسانية من تمدّن وابتعاد عن الحسّ القطيعي.
* ينبغي الصعود في القراءة الى أنّ الإستمتاع هو معيار تحقّق الذات الفردية في العالم، وهنا أتحدّث عن الفردية التي هي العمود الفقري لبناء المجتمع المدني، ذاك أنّ هوية المجتمع المدني في النهاية تتكرّس في كميّة ما تحقّق من الجانب الكمالي للأفراد بصيغة الجمع، أي أن يكون الإستمتاع عامّاً وليس خاصّاً منحسراً على كهنة الميتافيزيق وسماسرة رأس المال.
العالم يتّجه خطأ
هل أتحدّث عن جانب هامشي أمام ما يحدّث الآن من بؤس إنساني عام؟ فما يبدو على شاشة اللحظة الراهنة أنّ الكثير من شعوب العالم لم تحقّق بعد شروط الحياة الحيوانية (المأكل والمسكن والأمن).
* العمل الآن باتّجاه الرفاهية يعني أن تقف ضد المجرى العالمي تماما.
* اللحظة الراهنة ليست لحظة ثقافية ولن تؤسّس لها، إنّها إيغال في النمط الإستهلاكي للحياة، وهذا ناتج عن الفجوة الهائلة بين إنتاج اللحظة الراهنة والإقامة فيها.
* الحياة البائسة المتدنّية نتاج وعيٍ بائسٍ متدنٍّ، وللوصول الى حياة أخرى أكثر إنسانية ينبغي الخروج على الوعي البائس المتدنّي.
* العالم الإنساني يسلك الطريق الخطأ، كمن يتقدّم وغايته في قفاه، وإنّ بؤسه الراهن ناتج عن بؤس عقلية من يساهمون في تسييره الآن فعليا.
الفرد- الآن– مستلب ومسحوق في الشرق والغرب بين رحاتين هما:-
1- رحى نفعية (برنامج الربّ): الذي تعمل على تجسيده كلّ الأطراف التي تدعو الى باطلية الحياة، وتنهق ليل نهار في تمجيد الموت والماوراء، وتصرّ على أنّ العالم أوشك على نهايته، والتطرّف هنا يجعل الفرد كائناً مفترساً لا يتوقّف قبل أن ينشب مخالبه في جسد المختلف، يمكننا وصفه(ساديّاً) إن أردنا تهذيب اللغة.
2 - رحى نفعية (برنامج رأس المال): الذي تعمل على تجسيده كلّ الأطراف التي تدعو الى إستهلاك الأفراد وإقصائهم عن حيواتهم عبر آلية النزف اليومي، وإفراغ الحياة من الجدوى، والتطرّف هنا يجعل الفرد كائناً داجناً بطريقة سلبية، يمكننا وصفه (مازوشيا) إن أردنا تهذيب اللغة.
* أرى سياجا هائلا من (حبّ الموت/ نتاج الفكر الشرقي)، ومن (فقدان الحياة/نتاج الفكر الغربي) يحيط بتفاصيل اللحظة الراهنة، وهذا يعني أنّ خللا كبيرا في برمجة العالم البشري يأخذه بعيدا عن الجدوى الحقيقية لوجوده الفعلي في الحياة.
* وإذا ما أقرّت برامج رأس المال-بعد إعتراض بشري طويل- يومين لأفرادها كاستراحة أسبوعية، فإنّ كهنة الميتافيزيق لا زالوا يطاردون الفرد على أيامه كلّها، ويمنحون أنفسهم- تحت ثياب قداسة زائفة- حقّ التدخّل في التفاصيل الخاصة جدا، كحرّية الإعتقاد وحرّية الحياة بطريقة مختلفة. أنا هنا لا أمدح رأس المال كلحظة متقدّمة، لأنّه في النهاية نمط حياة يمنح الأفراد استراحة دون أجر، وبهذا فإنّه يقتل جانب الترفيه والإستمتاع عندهم أيضا.
آليات إشتغال
* لقد إنتهى عصر الإنسان المحلّي، وقريباً جداً ينقرض مفهوم الوطن الضيّق، لذا إستعداداً للحظة قادمة ينبغي التعامل مع أيّ مشكلة إنسانيّة بمداها العالمي، وهذا لا يتمّ بتقنفذ المنظمات أو الحركات الجماهيرية وسباتها ضمن موقعها الجغرافي، وإنّما عبر خلق علاقات دولية واسعة تقع تحت مفهوم (التشبيك)، وظيفتها توفير الدعم المادي والمعنوي، إضافة الى كونها خط حماية جاهز للإعتراض والإحتجاج ضدّ أيّ ممارسة قامعة على الأرض.
* ينبغي الصعود في قراءة مضاعفة أجور العمل في أيام الإستراحة من كونها ( تحفيز) على العمل الى كونها ( إقرار) رأس المال بسرقة مسكوت عنها، لأنّها لا تتجاوز أن تكون (أجرة الإستراحة الأسبوعية) مضاف إليها (أجرة العمل اليومي)، والإقرار بالسرقة يبلغ ذروته حين تكون (أجرة الإستراحة) مساوية تماماً لأجرة العمل اليومي، لأنّها تكشف بوضوح صارخ سعة الأرباح الحقيقية، لكنّها أرباح مسروقة من الأفراد، وممنوحة فقط لمن يتنازل عن إستراحته أيضا، إنّها آلية إشتغال رأس المال التي تجعل الأفراد يدمنون التنازل عن إنسانيّتهم، وهنا ينبغي المطالبة بأجر الإستراحة المسروق، والمطالبة بإيقاف العمل بمفهوم العمل الإضافي لأنّه تجاوز على حقّ الفرد في (الإستمتاع)، كذلك المطالبة بإيقاف العمل خلال أيام الاستراحة القانونية أو المطالبة بأجور لا تقل عن ثلاثة أضعاف الأجر العادي.
* لا يمكن لمفردة (الإستمتاع) ومشتقّاتها أن تتحوّل الى ذائقة إلا عبر تأثيث المخيّلة جماليا، وهذا لا يتمّ إلا بكنس النفعية من الممارسة اليومية، وجعل الإستمتاع هو الغاية القصوى، ربّما يبدأ التأثيث بمشهد شجرة في طريق عام، أو بالتبرّع بعلبة ألوان لطفل.
* للعمل حقاً ينبغي البدء من نقيض الإعلام الراهن، بل ينبغي قراءة القنوات الفضائية التي تبثّ ليل نهار أخبار العنف في العالم على أنّها طرف رئيس من أطراف العنف في العالم (أقرأ عزوف الأفراد عن مشاهدة التلفاز كردّ فعل على إنتهاك إنسانية المُشاهِد من قبل الواقفين وراء عملية البث)، لقد فقد التلفاز قدرته على أن يكون وسيلة ترفيه وتثقيف نتيجة إنغلاق العقليّات التي تقف وراء إدارة قنواته، والمشكلة هنا عالمية وليست محلية.
* إنّ الخروج من هذا الاتجاه الخاطئ لا يمكن أن يتمّ إن لم يصل الأفراد الى لحظة الشعور بهذا الاستلاب، فالكثير من الناس– ونحن في الألف السادس على القراءة والكتابة– يولدون ويموتون دون أن يتحقّق لديهم هذا الشعور!
|
مراسم الدفن الجميل
August 28, 2010
قال صاحبي ظافر يعقوب ونحن ندخل مقبرة تمتدّ طولاً وعرضاً في إخضرارٍ كأنّها ساحة للعبة الغولف : " هذا المشهد يُحَبِبُ الموت" . كانت المرّة الأولى له في حضور مراسيم دفن في سيدني، أعجبني إنطباعه ، رغم أنّني كنت أتوقّع البشاعة القادمة ، فقد تكون المقبرة جميلة ، الا أنّ مراسيم الدّفن كفيلة بقتل هذا الإنطباع .
لم نتعوّد أن تكون مقابرنا جميلة ، على العكس تماما، فهي عادة ما تكون موحشة، قاحلة ، كأنّها صحارى، والقبور أطلال، تتراكض فيها وحولها الجرذان، والداخل إليها - من الناس- والخارج منها إمتداد لرملها .
لم يحدث أن فكّرنا يوما في أن تكون المقبرة متنزّهاً على كثرة تردّد الأحياء لزيارة الموتى، سيبدو كلامي هذا في غاية البلادة عندما نعلم أنّ المتنزّهات كثقافة وكممارسة إجتماعية إنمسخت مع بداية الثمانينيات لتنمحي مع بداية التسعينيات، فولد جيل جديد ليس لكلمة تنزّه حضور في قاموسه اليومي .
ثمّ أنّ وظيفة المقبرة في ثقافتنا تكاد أن تكون وظيفة تذكيرية، وأنّ جفافها وعقمها يشيران الى جفاف وعقم الحياة ، فالمقبرة تؤدي رسالتها المطلوبة منها كلّما تصحّرت وتقحّلت .
وبالتأكيد فأنّ عملية كسر هذه الصورة أو الخروج عليها لا يتمّ إلا بتحطيم الصورة العقيمة لوجود الفرد في العالم في ذهنية الثقافة السائدة. المطلوب إذن هو إحترام الإنسان بدءاً، هكذا فقط يبدأ العشب بالنمو في مقابرنا ، ومع العشب تتغيّر وظيفة المقبرة من تذكيرية الى إحتفائية، تتحوّل من صحراء الى صالة تحتفي بأفراد كانوا أحياء وساهموا بطريقة أو بأخرى في صنع الحياة .
ترتبط مراسيم الدفن لدينا - وقد رأيتها لمرّاتٍ عديدةٍ عن كثب - بشعائر تزيد من شحوب المقبرة ، وتكرّس بشاعة الإجراءات ، بل تساهم في جعل الحياة آيلة للسقوط ، تذكّرنا بإنهيار البنايات ، وبصعود التسونامي ليكتسح كلّ ما أمامه من بشر وحيوان ونبات، بطريقة تكاد أن تصيح : لا معنى للأحياء ، ولا للموتى .
إبتداءً من إخراج جثمان الميّت من تابوته، والتناوب الإنفعالي على حمله بالأيدي ، فينحني الجثمان هنا ، ويستقيم هناك ، تتدلّى الرجل أو يتدلّى الرأس، الى أن يتمّ إنزاله الى القبر بعد أن يكون ثمّة من يستقبله فيه ، ليصار الى دسّه في الجانب الأيمن من قعر اللحد دفعاً وحشراً إن لم يتّسع المكان ، ومن ثمّ تغليف الفتحة الجانبية بطابوق أو بقطع من الكاشي ، عندها يتصاعد الإنفعال الجمعي مع بداية عملية جماعية في إهالة التراب ، بالمساحي والأيادي ، وبهوس يعلو مع الغبار المتعالي ، مع نزيف جماعي من بكاء ونحيب وصراخ ترافقها قراءات قرآنية تزيد من سوداوية النهاية ، إجراءات لا علاقة لها بالتحضّر ، ومشهد يُفرِغ الإنسان من إنسانيته، يجعل الموت كابوساً هائلاً ، يضيع الحيّ والميّت فيه على السواء .
كنت أتوقّع ذلك أيضا عندما قال صاحبي بأنّ مشهد الإخضرار يُحبّب الموت ، علما أنّني سبق لي وأن حضرت عملية دفن عراقية في سيدني أيضا ، وكانت إمتداداً مماثلاً لبشاعة مراسيم الدفن العراقي المعروف .
إلا أنّ ما حدث في هذه المرّة كان شيئاً مختلفاً تماماً ، كان عدد المشيّعين يربو على المئة والخمسين فرداً ، بين عرب وأكراد وإيرانيين وأستراليين وأفارقة وصينين وأشخاص أخرين من بلدان أخرى ، كانت النسبة الكبيرة منهم تحمل باقات ورود إختلفت أنواعها وألوانها، كاختلاف أنواع الناس واختلاف ألوانهم .
كنّا في مراسيم دفن الجميلة ليلى محمد ، كان النعش مغطّى بباقة كبيرة من الورد، قادتنا السيّارة التي تحمل النعش بين حدائق المقبرة، وكنّا رتلاً طويلاً يتّجه الى خاتمة .
توقّفنا عند مكان ما كان مُهيّأً للإقامة الأخيرة، نزلتُ من السيّارة بصحبة صديقي ظافر يعقوب، وقد دفعنا الفضول معا الى أن نقف عند فم الحفرة، إستعدادا لمراقبة أدقّ التفاصيل، سواء ما يحدث الآن أو غدا .
لم يكن هناك حفر جانبي في القاع، كما تمّ تغليف الحواف المحيطة بكاربت أخضر تدلّى قسم منه الى داخل القبر كأنّه إمتداد للعشب، كما لو أنّ الحياة تحاول أن تمتدّ على الموت ، وكان ثمّة جهاز ريكوردر على مسافة متر . رأيت أيضا عتلة تمّ نصبها على فوّهة القبر ، عتلة بحزامين أخضرين أيضا ، تمّ تثبيت النعش عليهما ، كانت المفاجأة الأولى لي أنّ جثمان الجميلة ليلى محمد بقي في داخل النعش محافظاً على هيبته، لم يُكشف عنه، بل بقي مستقيماً متوّجاً بألوان الورد، وبعد أن تمّ تثبيت النعش على عتلة الإنزال تساءل المسؤول عن مراسيم عملية الدفن ، الذي كان هو وكادره لا يقوم بحركة أو إجراء دون أن ينحني للنعش، لا تخلو الإنحناءة من ميكانيكية، لكنّها في نفس الوقت تمتلك شحنة هائلة من الإحترام سواء للميّت أو للحيّ المرافق ، قال: " هل لديكم ثمّة موسيقى خاصّة يمكن أن تُعزف لحظة إنزال النعش الى القبر ؟ "
وقبل أن تبدأ الموسيقى بالتحليق، وفي لحظة صمت تشبه سرب حمام حطّ على المكان ، إندفعت الجميلة نادية محمود ترتجل خطاباً إنسانيّاً مؤثّراً، تحدّثت فيه عن مآثر رفيقة دربها الطويل، تحدّثت عن الإنسانة والفعل والغاية، وعن خسارة الفقدان التي تدعو الى الانتصار على كلّ ما هو غير متحضّر، وعلى كلّ ما هو غير إنساني .
ثمّ تمّ عزف النشيد الأممي، كان النعش المغلّف بالورد ينزل ببطء كما لو أنّه يؤدي رقصته الأخيرة، دراما عالية جدا، كان ثمّة حياة تنبعث في عملية الدفن، جعلت المشيّعين يراقبون المراسيم بعيدا عن البكاء والصراخ والنحيب، كان أشبه بعرض مسرحي، فيه جمالية تدعو الى إحترام الإنسان، تضخّ فيه إنسانية أكثر شفافية، وأكثر نبلا .
عندما وصل النعش الى قاع القبر مع نهاية النشيد الأممي، تمّ جمع باقات ورود المشيّعين على طبقة خشب كبيرة، أصبحتْ غطاءً لفتحة القبر، لم يكن هناك إهالة حفنة تراب واحدة، على العكس تماما، تمّ تغليف النعش والقبر بالورد ، كنّا نودّع ليلى محمد باحتفاء، قال صديقي محسن بني سعيد الذي كان حاضراً أيضا: " جمالية الدفن تليق بجمال ليلى " .
لم أخرج من المقبرة خائفاً أو حزينا، كان العرض المسرحي جميلاً وخليقاً بأن يجعلني أفكّر بأشياء أخرى، أشياء كثيرة تخصّ قيمة الإنسان، وقيمة الحفاظ على هيبة وجوده ، فالموت ليس نهاية الحوار، ستظلّ ليلى محمد بيننا ، مراسيم الدفن الجميل منحتها حياة أخرى، لقد غادرنا المقبرة وليلى مغلّفة بالورد، ما حدث هناك أنّنا لم ندفنها، بل توّجناها باحترام وحبّ كبيرين، لأنّها تستحق ذلك حقّا.
|
هدنة قصيرة مع الذات
صفحة من كتاب أصدقائي
August 14, 2010
في رأسي حشد من نمور وأسود كلّها تزأر في لحظة واحدة، وكلّها تتدافع لتخرج، وأنا كمن أضاع بوصلة الإتّجاه، أنظر الى الأمام ولا ألمح طريقا.
لا رغبة لي على التقنفذ، ولا أريد لحزني أن ينتصر، كما لا أريد لأشواكي أيضا أن تنتصب دون معنى، ما أريده حقّا، هدنة قصيرة مع الذات، أريد أن أصمت، وأن أراقب صمتي بهدوء وصمت.
حدثٌ، رغم تكرّره المقيت، تكرّرٌ مكرّرٌ بغباء، فلم يتحوّل الى عادة، ولم يتحوّل الى شيء يومي، هكذا، يفتح أحدهم الباب كي يذهب بعيداً ووحيداً، تاركاً إيّاي وحيداً بين كثيرين منشغلين أيضا بالذين فتحوا البيبان وتركوهم فرادى وحيدين بين الآخرين. هكذا، يبدو الحشد الكبير وحيداً داخل ذاته، وبعيداً عن ذاته.
رأيت ذلك وأنا أتجوّل داخل السوق المركزي في براماتا.
الإحساس بالوحدة ، الغربة التي نقلّم أظافرها بالأصدقاء ، تباغتنا دائماً بهجرة صديق، تجعلنا نجلس القرفصاء في ركن قصيٍّ داخل أجسادنا، حتى أنّنا نبحث عن أنفسنا داخل أنفسنا فنتيه.
هجرة جديدة داخل هجرة لا تنتهي، رحيل صديق داخل رحلينا المتواصل ، إنغلاق نافذة أو إنفتاحها على المجهول ، حيث ينتصب الغموض بكلّ ضبابيّته ، البعض خلق له حلاً فاطمأن ، البعض يصرّ على ضبابيّته، وبين هذا وذاك يبقى الرحيل غامضا أيضا.
أقف قبالة متاهتي وأحاول الخطو فيها، لكنّني الآن، بهجرة صديق آخر، أكثر إرادة على الخطو، فقد أصبح لي أصدقاء كثرٌ هناك، مع إصرار آخر على أنّ الحياة متاهة أيضا علينا أن نتوغّل فيها دون تردّد.
لقد كانت ( ليلى محمد / منى علي / مها عباس ) آخر الأصدقاء المهاجرين، آخر الأجنحة القافزة الى فضاء عصيٍّ على التحليق، ولن تكون الأخيرة حتما ، لكنّها، رغم حبّها للحياة ، خطت خطوتها الأخيرة قاطعة المسافة الهائلة - بين الحياة والموت – بومضة ضوء ، تاركةً إرثاً تأمّلياً هائلاً حول تعلّق الفرد بالحياة ، وحول إرادة التغيير ، فالذين يرون بصمات أصابعهم على الناس والأيام لا يعرفون طريقا للإنكسار والتخاذل ، تبقى الحياة بالنسبة لهم أرضاً بكراً للعمل والتغيير .
قد تبدو الثوريّة حلماً مراهقاً في هذه اللحظة، حلماً خارج حركة التاريخ الآن، ولعلّنا نبدو نحن أكثر شيخوخة وهرماً إزاءها ، غير أنّ الدرس الذي حاولت ليلى محمد أن تلقنّني إياه – وقد حفظتُه مُغمض العينين - هو أنّ الثوريّة شرط من شروط التغيير ، وإنّ العالم بغيرها لن يكون أكثر من تكرار عقيم ، وبغيرها لن تكون الحياة أكثر من مسبحةٍ طويلةٍ لخرز تتشابه ، أو جدارٍ مغطّى بستائر رتيبة .
الإصرار على الحياة ، والإصرار على أنّ الحقيقة تولد معنا ، الحقيقة لا يمكن توارثها عن الآباء ، كما لا يمكن تلقينها للأبناء ، الحقيقة لا تهبط من السماء بزنابيل ، ولا تنبت من الأرض كالفطر ، إنّها نتاج تجاربنا المتجدّد ، إبنة حياتنا اليومية ، تفاصيلنا الدقيقة ، سلوكياتنا، والإصرار على أنّ لكلّ فرد – كائناً من كان - حقيقته الخاصة ، حقيقته التي تحدّد له طقوس حياته ، تفتح له طُرُق الإستمرار ، سواء أقاد هذا الإستمرار الى اندماج أو الى انفصال مع الآخرين ، كلّ ذلك يدفعنا الى التفكير العميق في الجدوى التي تغلّف وجودنا، التفكير العميق في الهدف البعيد لبقائنا على قيد التنفّس .
لن نكون أحياء بلا معنى ، المعنى هو الخصوصية التي يحملها كلّ منّا، الخصوصية التي تجعل الفرد موجوداً حقّاً، وليس غائباً في المجموع ، يبقى الذوبان بدلالة التكرّر رتابة وسدى ، المعنى يجعلنا نذوب في الجماعة كالسكّر في الشاي.
الإحساس بقيمة أن نوجد يمنح وقتنا قيمة، ويجعل حياتنا ضرورة لا بدّ منها ، يجعلنا إيجابيين ، ننظر الى الحياة بتفاؤلٍ رغم كلّ آلامها وأحزانها ، وتدفعنا الى المحاولة في كسر الروتين والنمطية هنا وهناك ، حتى في علاقتنا مع أنفسنا.
تجربة واحدة لها من الثقل أن قلبت كياني كلّه، أدخلتْ كلّ مجسّاتي في نفير عام، فتحتْ لي أبواب القراءة والتأويل ، منحتني القوّة على الإشراف على العالم من العالم ، جعلتني أرى بعيني وأسمع بأذني، وضخّتْ فيَّ القدرة على إعادة قراءة الأشياء مرّة ثانية وثالثة وبلا انتهاء ، جعلتني أعي بالتجربة أنّ المعرفة لاتتوقّف،وأنّ المتوقّفين موتى ينتظرون مراسيم الحنوط.
أفتح أبواب رأسي للنمور والأسود كي تنزل الى الحياة ، أ ريد لزئيرها أن يعلو ، أريد لمخالب أسئلتها أن تحفر وجودها على حجر الأيام ، أمّا الذين يتّخذون الفئران أدلاء ونماذج للتكرّر فحريٌّ بهم أن يصطفّوا طوابير خلف سراب أجبان لم تخرج من ماعز ولا أبقار .
|
الى ليلى محمد
أقف على رؤوس أصابعي
July 31, 2010
أضع العنوان وأجرّب أن أجد كلمات بمستوى المعنى ، وأن أجد معنى بمستوى التجربة ، وأدرك أنّ الكلمات ستقف الى جواري مثلما فعلتْ دائما ، وأنّها ستعرف الطريق الى البوح الذي يشبه المعنى، ستكون قريبة جداً مما أريد أن أقوله الآن ، ولن تخذلني كما لم تفعل من قبل .
أريد أن أقول بوضوح صارخ : يولد الفرد لأنّه ضرورة تحتاجها الحياة ، كلّ فرد هو " واجب الوجود " ، لأنّ الحياة تتكامل، كلّ فرد هو مساهمة في إكمال نقص هنا أو نقص هناك ، ولا يولد الفرد – أيّ فرد كان – سدى ، أي لا يوجد هناك ما يمكن أن نطلق عليه : " غير واجب الوجود " .
إلا أنّ بعض الأفراد، على ندرتهم، يمتلكون من شفافية الحسّ وعمق الإدراك ما يجعلهم قادرين أكثر من غيرهم على إدارة دفّة التغيير في الاتجاه التكاملي للحياة ، ولقد صادفني الحظّ مرّة في أكون قريبا ، أن أرى وأن ألمس لمس اليد شفافيّة الحسّ عند ليلى محمد .
مواصلة الرغبة في التغيّر ، وفي ممارسة عملية التغيير - على الصعيد الشخصي والإجتماعي - ليس أمراً سهلا، بل أنّ إحباطات هنا وهناك قد تلوي عنق الرغبة ، وقد تكبح قدرتها على الظهور ، تحيلها الى رماد ، لذا يبدو من الخارق للعادة أن يواصل فرد ما الإحتفاظ بجذوة النار حتى نهايته القصوى.
منذ ثلاث سنوات وليلى تصارع السرطان ، هكذا ، إلتقى بها وهي في الأربعين ، ليس لسوء حظّها ، بل لسوء حظّنا نحن القريبين منها شعورا وإحساسا ، ولسوء حظّ كثيرين كان يمكن أن تكون الإصبع التي تنتشلهم من الغرق .
وأشهد أنّها كانت - طيلة السنوات الثلاث الماضية - تخادع السرطان على حلبة ، وتعمل بحسّ اجتماعي راقٍ على حلبات أخرى .
لم تتوقّف عن أن تكون فاعلة ومؤثّرة في بيئتها الاجتماعية ، تقف دائما الى جانب حرية المرأة ومساواتها للرجل في الحياة ككل سواء أكانت في البيت أم في مكان العمل من خلال قيادتها لجمعية المرأة العراقية في سيدني ، كما أنّها أدارت للعامين الماضيين أحد فروع منظمة أسترالية لرعاية الشباب ، بل ساهمت أيضا في تأسيس منظمة عراقية / أسترالية من أجل دعم الطبقة العاملة في العراق .
كانت دائما تحاول أن تمنح تبريرا عقلانيا لوجودها ، ولا تزال تفعل ذلك بما تستطيع من كلمات أو نظرات وهي على سريرها الأخير .
قلت لها : لقد كنّا أصحاب حلم، وكان حلمنا يكبر معنا ، أردنا أن نساهم في عملية التغيير ، أن نجعل الإنسان أكثر إنسانيّة، حاولنا قدر ما استطعنا أن نبذر الحسّ المدني بين الناس ، أن نجعلهم يرتفعون على الدوائر التي تجعلهم ينغلقون على أنفسهم ، لقد فعلنا ما استطعنا ، أنظري إلينا ، أنت لا تشبهين العائلة التي خرجت منها ، وأنا لا أشبه أبي ، أصبح لنا وجودنا الخاص في العالم .
قالت بصوت خافت : أنا أتّفق معك ، لقد تغيّرنا، وحاولنا أن نساهم في التغيير، لكن ، يجب أن لا نتوقّف ، لأنّ هناك الكثير من الناس بحاجة إلينا لكي يتغيّروا .
حوارات كثيرة ، نقاش له من العمق الإنساني ما يجعله جديرا بالتدوين ، كلّ ذلك وهي على السرير الأخير ، بينها وبين فتحة الباب الأخير قدرة الجسد على الانقياد لإرادة الروح ، حوارات أعادت إليّ تجربة الفيلسوف الوجودي هايديجر مع جارته العجوز التي كانت تجادله - قبل موتها بنصف ساعة فقط - عن معنى الوجود ، وعن دور وجود الفرد في العالم .
يبقى هناك - في الإنسان - ما يشير الى لغز كبير وغامض ، لغز يتجسّد في الأفراد الذين يحاولون إيجاد معنى آخر للحياة خارج ما تمّ تعليبه ، معنى يشبه التجربة ، التجربة التي لا تتشابه ، التي تمنح الحياة قيمتها ، والتي تصرّ على أنّ الإنسان - كأفراد - لا يتكرّر كالحيوانات على الأرض .
ليلى محمد على سريرها الأخير ، وأنا مثل لصّ يحاول أن يسرق الكلمات منها، الكلمات التي تمنحني القدرة على المواصلة أسرق إرادة التغيير .
قالت بصوت خافت : " كم نحتاج الى وقت كي نغني أغنية ماريانا ( تعال مارس الجنس معي ) دون محاكمة ، وخارج ثقافة العيب والحرام ؟ " .
قلت لها : ستحاول ( الليدي جاجا ) أن تمارس الجنس حقاً على المسرح أثناء غنائها .
قالت : إنّهم يتغيّرون بسرعة ، ونحن أيضا نتغيّر ، لكن ، ببطء " .
الجميل في حوارات ليلى أنّها لا تسأل عن الجدوى مثل ( عجوز هايديجر ) ، على العكس تماما ، ليلى ترى النقص بوضوح صارخ ، العالم غير مكتمل ، ونحن من يضخ فيه القيمة، نحن من يكمل هذا النقص، هكذا يكون لوجودنا جدوى، ولا نكون فائضين عن الحاجة، ولا يكون قدومنا الى الحياة سدى .
دعيني إذن أعترف أنّني تغيّرت باقترابي منك ، وأنّك حاضرة في حياتي ، وحاضرة في حياة عائلتي وستبقين ، ولست وحدي ، ولن تكون عائلتي الوحيدة ، فبالتأكيد سيردّد الكثيرون مثل قولي هذا هنا وهناك على الأرض .
فيا سيدة الجميلات ، ويا مجسّا شفّافاً يتحسّس الهواء النقي،.
ويا أمّ نورس الثانية ( هكذا تسمّيك ابنتي نورس ) ،.
ويا حسّاً مدنيّاً لن يتكرّر ، دعيني أقول لك ، أنا الذي أحتاجك كثيرا ، وأعرف مدى قوّة إرادتك على البقاء ، أقول – بعد تردّد كبير - نيابة عن كلّنا ، بحبٍّ أقولها وبألم حاد: يحقّ لك الآن أن تأخذي إستراحة المحارب .
|
في سجن مخالب الدجاج
July 15, 2010
أعتبر نفسي قارئاً سيئاً لفن الرواية، لكنّني من المدمنين على قراءة كتب السير الذاتية، وغالبا وأنا أقرأ سيرة أحدهم-كائنا من كان– أجدني أبحث عن نفسي فيها، أو عن ما يشبهني فيها، عن ما يمكن أن يجعلني أنتبه لأحداث مرّت معي وتجاهلتها، أو لعلّها حدثت معي ولم أشعر بها، وعن أشخاص كانوا على مقربة مني، بل لعلّهم أثّثوا هويّتي الشخصيّة، دون أن أنتبه لهم، كما لو أنّهم خارج حياتي كلّها.
أريد أن أقول أنّ قراءة السيرة الذاتية - لأيٍّ كان- كانت تمنحني قدرة الإشراف على حياتي من الخارج، تجعلها مثل دائرة وأنا أقف خارج محيطها، وقد تكرّس هذا الإحساس عندما غادرت العراق عام 2001.
الهجرة جعلتني أنظر لحياتي السابقة كما لو أنّها سيرة ذاتية لكائن آخر، كائن أتّصل معه بنسب غامض، لا أريد الفكاك منه، لكنّني أيضا لا أريده إلا هناك في مكانه وزمانه.
ومنذ لحظة خروجي من العراق بدأت تطفو على ماء التذكّر شخصيّات وأحداث لم أتوقّع أنّها كانت تمتلك كلّ ذلك الحضور، بل أتعجّب كيف لتفاصيل صغيرة ودقيقة حفرت وجودها بهذه الدقّة في ذاكرتي!
وبالتأكيد فالذاكرة لا تحتفظ بالأحداث فقط، بل تحتفظ بأمكنتها أيضا، وبالكثير من الإكسسوارات التي تؤثّث مشهدا ما، الى حدّ أن ترى خيوط ضوء الشمس الأولى على جدار تمّ بناؤه ليلا.
هذا ليس موضوعاً خاصّا، فهو يتجاوزني حتما، سيجد القارئ نفسه في ذات الفخ، والأمر يختلف من كائن لآخر ، لكنّه يزداد ثقلاً حين يبدأ السؤال الوجودي القديم بالصعود الى سطح الوعي: من أنا؟ ولماذا؟ والى أين؟
هذه الأسئلة تشبه مخالب الدجاج التي يرفش بها التراب بحثاً عن حبّة قمح، التراب حياتنا، والحبّة هي المعنى، أو هي الجدوى. أشهد أنّني كنت طيلة حياتي سجين هذه المخالب .
لسنة كاملة بعد خروجي من العراق كانت هناك مراسلة بريدية بيني وبين أبي، كتبت له مرّة: " سأجعلك تنتبه لحياتك كلّها، سأجعل ذاكرتك تفتح أبوابها للبوح ".
كنت أسأله عن أحداث وتفاصيل كثيرة، تخصّ الجذور البعيدة لعائلتنا، إنحدار الأجداد من أصلاب آبائهم، هجرة الجد الأعلى السيد حسن من طهران الى كربلاء على حصان في منتصف القرن التاسع عشر، أسأله عن كيفية تشكّل قرية الزهيرات التي قضيت فيها قرابة العشرين عام، أسأله عن البدايات الأولى لكلّ شيء فيها، عن لحظة دخول الكهرباء اليها، أو متى دخل أوّل جهاز راديو، أوّل مدرسة، أوّل قنطرة على نهر خريسان، وبالتأكيد كانت هناك أسئلة حول نشوء التيّارات الدينية كالشيخية والأصولية ، وكنت أسأله عن ولادة التيّارات الحزبية أيضا كالتيّار الشيوعي والتيّار ألبعثي ( لم يكن للحزب الديمقراطي الوطني ولا لحزب الإستقلال أيّ حضور اجتماعي في خمسينيات القرية ) ، كتب لي أنّه هو من أدخل حزب البعث الى القرية، لكنّه استقال منه عام 1963،" فقد بدأوا يدخلون بيوت الناس ويهتكون الأعراض" على حدّ تعبيره، ومع هذا فقد بقي أبي قوميّا حتى منتصف الثمانينيات، وكان من نتائج ذلك أنّه لم يتردّد في منحي اسم جمال عبد الناصر .
كنت أسأله أيضا عن علاقة القريّة بالحكومات التي تتالت على منبر الحكم، وكان يجيبني على كلّ سؤال، كان يقصّ عليّ القصص، وفي أحيان يؤجّل الإجابة عن سؤال ما الى رسالة أخرى، فالوقت– على حدّ قوله- ضيّق وساعي البريد يقف مثل ( شمعة فقر ) على الرأس.
مرّة كتب لي يقول: لماذا لم تسألني عن ذلك عندما كنت بقربي؟ يومها كتبت له: أنا خارج تلك الحياة الآن، وهذا ما يجعلني أراها بكل تفاصيلها.
وذات مرّة إتّصل بي أبي هاتفيّا وقال لي: أنت تبحث في دفاتر عتيقة. قلت: نعم. ضحك لحظتها بعمق، كما لو أنّها كانت ضحكة: " هذا فراق بيني وبينك"، كانت تلك الضحكة آخر ما سمعته منه، ولا أزال أسمعها .
مات أبي بعد سنة من خروجي من العراق، مات وترك الكثير من أسألتي واقفة أمام بابه مثل مشرّدين ينتظرون وجبة طعام، أسئلة لها علاقة بأشياء لا يمكن البوح بها – تحت تأثير ثقافة العيب والحرام- فإذا مات صاحبها ماتت معه. هكذا، تذهب خصوصيّات كثيرة مع كلّ ذاهب.
عندما يموت الراوي تضيع الحكاية، يمكن أن تشطح مخيّلة راوٍ آخر محاولة في ردم الهوّة أو الفراغ ، غير أنّ جملاً بعينها ستذهب دون عودة، ستبقى السيرة الذاتية مخرومة هنا وهناك، ولعلّ، بل في أغلب الأحيان، تكون الجمل المخرومة، المتساقطة، أو المنسيّة، هي جوهر الحكاية/ السيرة، وهذا ما يجعل مخالب الدجاج حاضرة وبقوّة دائما: من أنا؟
ولماذا؟ والى أين؟
ويظل النبش والرفش والبحث عن حبّة المعنى أو حبّة الجدوى قائما، خصوصا عند الذين لا يعرفون استلام الإجابة من غير ذواتهم، ومن غير تجاربهم الخاصة في العالم.
|
الإقامة
في عالم يقيم
في كلمة
قراءة نصّية في نص "برتقالة عارية"
لجاكلين سلام
July 8, 2010
ما الذي يجعلنا نهرب من العالم ككلّ إلى مفردة صغيرة فيه ؟
هل يتمكّن هذا السؤال من دسّ خباثته، في استنفار الذهن إلى الخوض في إشكالية لا يمكن التخلّص منها إلا بالالتفاف حولها بمراوغة ثعلبية ؟!
ثمة خلل في بنية العالم، أو في رؤيتنا للعالم ، ربّما لأنّه " فقد أسباب الدهشة " على حدّ تعبير جاكلين سلام.
ولكن، ماذا نعني بالدهشة أصلا؟
هل هي الطفولة مثلا؟ البراءة؟ أو البداية؟
فبغير هذه الأشياء، يبدو العالم هرما، منغلقا، فاقدا للجدوى.
وهنا يستيقظ سؤال آخر ، ما الذي يملأ الذات النافرة بالرعب؟
أتذكّر جملة أخي النفرّي : " وقال لي أقعد في خرم الإبرة " . حين ينمو الضيق تتعالى شيخوخة الأشياء، يصبح كلّ شيء موغلا في القدم، لكنّه، في نفس الوقت يزداد هشاشة، كما لو أنّ الشيخوخة تسطيح للعالم، إفراغه من أيّ معنى.
أعتقد أن مردّ هذا الإحساس، وهذه الرؤيا، إنّما هو عجز الفرد ذاته عن أن يكون فاعلا في تصميم وإنجاز العالم ، فقدانه حسّ المشاركة.
هكذا، يجد نفسه ملقى في صندوق مكتمل، وما عليه إلا أن يقيم في الصندوق حياته كلّها.
أذكر هنا صيحة أخي أبي العلاء:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربّه
فيخرج من أرض له وسماء ؟!
إعصار من اللاجدوى يجعل العالم ليس لغزا، وإنّما مكيدة، أو فخّاً، ونحن لسنا سوى كائنات سقطت في الفخ .
هذا الإحساس لا ينبثق إلا عند نفوس ترى العالم ناقصا، وأنّ وظيفة الإنسان فيه لا تقلّ عن كونه خالقا لهذا النقص.
" كان العالم مكتظّاً بصخب الأصدقاء والموسيقى وجوه محدّبة، مقعّرة، مستوية، لم تكتمل "
الإنسان لا يتمم ما بدأته اليد الأولى، على العكس، يوغل في جعل العالم ناقصا، ينثر بذور الشكّ في مسامات التنفّس.
" أبحث في اللوح المكسور والقلب المكسور عن الجمل الناقصة " .
النقص يدفع الإنسان إلى الحركة، لم ينته بعد كلّ شيء، ولم تقل الكتب الكلمات كلّها، أليس هذا تبريرا منطقيا لوجود الذات في العالم؟
فاعلية الذات تكمن في اكتشافها النقص، جعل العالم بحاجة إلى أياد أخرى، ثمّة مكان لترك بصماتنا الخاصة جدا.
" تابعت التنصّت للقشور حتى الفصل الأخير منها.. من الصمت والحزن ذرفت ما يماثل دمي كي أذبح القشور بيقين القلب نستردّ الوجه المتروك في العتمة
جئنا كي نبحث عن ذواتنا التي تحاول الطبيعة وأبناؤها حجبها بأوراق اليقين. ذواتنا المتروكة هناك، حيث الخروج إليها، خروج على العالم. الذات النافرة إقرار بنقص العالم.
ولأنّ الإنسان كنوع لا ينمو كلّ أفراده في زمن واحد، ترتفع حدّة الجدل بين كون العالم كاملا أم ناقصا، وغالبا ماتتبنّى المؤسّسات الرسمية الشطر الأول، فالحكومات تهدف الى الاستقرار، الى الطمأنينة، حتى ولو كان هذا الاختيار يجعلها أكثر التصاقا بجذورها
الحيوانية الأولى.
وهو ما يجعل النافرين على هذا التصوّر منبوذين في عالم مغلّف بأكياس إعلامية جوفاء تمتلك شاشة السموات والأرض.
الإنسان أبن الشّك، بينما الدولة ابنة اليقين. الإنسان إبن القلق، بينما الدولة ابنة الطمأنينة. هكذا تقتل الدولة الإنسان.
أتحدّث عن الدولة التي تجلس بكلّ ثقلها على صدور أبنائها ، رغم إنني لم أجد بعد - على طول التاريخ البشري - دولة تسعى خلف الشّك ، بل ظل الشّك جرثومة ينبغي التخلّص منه ، وإلا فإنّه سيؤدي إلى إنهيار جسدها.
الذات النافرة تلتصق بالشّك ، إن لم تتماهى معه. إنّها الأرضة التي تنخر الهواء الذي يرفع السموات.
" السكين وقشور البرتقالة ، رائحة تصيبني
إشتبكت بمكنون البرتقال والأشياء المغلقة
أنجزت فصل القشور ، لم تنقطع عن بعضها القشور "
هكذا تصاب الذات بعالمها الخاص ، يفقد كلّ شيء فاعليته، أشكال بلا عمق ، كما لو أنّ البحر سطح فقط. " الأرض برتقالة زرقاء " هكذا صرخ أخي بول إيلوار، كانت السوريالية تمتدّ كموجة تغطي البحر كلّه ، كانت السوريالية كلمة ، وفي داخل الكلمة نمى عالم كان قد بلغ شيخوخته على أكتاف الحرب العالمية الأولى.
الكلمة جعلت العالم بدائيا، بدى كلّ شيء ليس في مكانه تماما ، كانت الدولة عاجزة في لحظتها عن أن تقول شيئا ، رغم كلّ جبروتها على الأرض، الدولة كمفهوم ، والحكومات فقاعات ملوّنة.
كلمة تخرج من كلمة، أو على كلمة، هذا هو تأريخ العالم البشري.
من التوراة إنبثق الإنجيل، ومنهما إنبثق القرآن.
شخص ما ينطق الكلمة ، ثمّ يتناسل ترديدها ، حتى يولد اللّسان النافر ، معلنا ولادة كلمة أخرى ، بداية أخرى " في البدء كان الكلمة " .
شخص ما هو الكلمة التي يقولها ، تلتصق به، ويلتصق به أيضا المدمنون على ترديدها ، هو مشروع إنسان، وهم تمرين في الوصول إليه.
دائما ، العالم يقيم في كلمة ، الخرافة ، الدين ، العلم ، اليقين، الاحتمال، الديالكتيك، النسبية ، كلمات كثيرة كانت مكانا لإقامة العالم ، ولا تزال.
ثمّة كلمة تسيطّر على بيئة ما ، بكلّ ما فيها من ناس وتضاريس، الكلمة تغلّف المكان والزمان معا .
تعلن نفسها بداية للعالم السابق أيضا !
من هنا يمارس دعاة الثورة إعادة كتابة التأريخ في كلّ مكان.
الخروج على الكلمة ، إعلان بإفلاس الذائقة العامة ، هكذا يفقد العالم قدرته على الإدهاش ، يبدو كلّ شيء رثّاً ثقيلا على العين ، هنا ترتفع حدّة النفور عند الذات الخارجة ، إلى درجة أن تستنكف الأذن الكلام.
" كنت طفلة، اخترقت سكين إصبعي، نفّر الدم ..
كنت عنيدة، لم أسمح لأمي أن تقشّر لي الحكاية!"
إنغلاق المسامات بداية انفلاق وتشظّي، إنّها الانفطام من الوصايا.
الإنفطام بداية كلمة ، لكنّه، قد يقود إلى صمت ثقيل.
الذات هنا ، وحدها التي تقرر ، النطق أو الصمت.
" يتكوّر القلق في يدي، أفتح بوابة التسكّع في تفاصيل البرتقالة: العالم مكتظ بالغرباء "
هكذا تبدأ جاكلين سلام قعودها في خرم الإبرة ، كلّ بداية غربة، ثمّ، تنحاز الريح لأجنحة الطير .
التحليق الأوّل هو الفضاء، ثمّ ، يبدأ التحليق في الفضاء. البداية تذكّر بالبدايات، هكذا تستحضر الروح الغريبة أرواح الغرباء، سواء ، الذين على سطح الأرض أم تحتها " أهجس أنّ غريبا، يرقب رسالة السكين والأصابع وحزوز البرتقالة، صامتا كإله منبوذ ! "
الدخول إلى الكلمة غربة، لأنّها إنفطام، من هنا" العالم مكتظٌّ بالغرباء".
ولكن، لماذا البرتقالة ؟
ما الذي جرّ جاكلين إلى انتخابها ؟ هل هو الشكل أم اللون؟
لا يمكن تجاهل خباثة اللغة في جرّ الناطق بها ، غير أنّ النصّ هنا ليس ابن الإرتجال، ثمّة ذائقة تتشكّل دائما ، تحاصر خالقها، حتى لا ترى العين غيرها، فيندلق النص على الحواس، فالأوراق.
" تكوّر القلق في يدي " لقد جاء الشكل قبل اللون، التكوّر قبل القلق ، والتصاقهما مباشرة خلق البرتقالة.
اللغة والذائقة اتفقتا على انتخاب الخرم الذي سيقيم فيه العالم. تكوّر القلق/ ما أراه في يدي، زاوية أخرى
" على قلق كأن الريح تحتي "
تنهض الغربة، ربّما " لأنّ العالم فقد أسباب الدهشة " تجرّد من بدايته، طفولته، براءته.
" احتضنت البرتقالة في راحتي كجنين يتكوّر في رحم "
فحيح شهوة البداية، لم يعد العالم الخرف ممكنا، خطوة في اتجاه القيامة، الذات لا تقنع إلا بأن تخلق العالم. شيء من العزف يطفو على الأصابع. محاولة في ارتجال العالم. الولادة ارتجال شيء من القرف ، ثمّ يندلق النصّ / العالم.
ورود كثيرة تتدافع على نافذة التفتّح ، " رائحة أحشائها تتجاوز أصابعي " ثمّ ، تنحني النهايات كرها أو حبّا، صراخ العطر يعلن إنتماءه للخروج.
ما الذي يجعل العالم حبلا يطوف حول العنق؟ هل العنق الحواس كلّها ؟ هل الحواس العالم ؟ كما لو أنّ الولادة خروج على العنق والحبل معا ؟!
أيّهما صالة رقص الآخر ، العقل أم البرتقالة ؟ ها هو العقل يدسّ العالم في برتقالة ، كما لو أن العالم يرقص على مرمر الذائقة. البرتقالة تمتصّ العالم، كما لو أنّه عصيرها.
" لا يثير انتباهي أن لون داخلها كلون خارجها ، مع إنني أذكر حين كنّا نصلّي كنّا واحدا يردّد :- أبانا الذي في السموات..أعطنا السلام كما في السماء كذلك على الأرض ..ولكن القلوب كانت تتدحرج متباعدة وكأن الجحيم على مقربة ! "
دائما لا السماء تنزل ، ولا الأرض ترتقي . كما لو أن الأرض بئر مهول العمق، السماء فمه، بينما المصعد عاطل، ولا سلالم على الإطلاق.
والآن، لم تعد السموات فوق ، ولم تعد تحت أيضا. نحن لا نمشي ، كلّ ما هنالك أن الأرض تتنقّل على الأقدام يمينا وشمالا. بينما رؤوسنا معلقة في الهواء.
ما الذي جعل الآخرين بهذا الفزع ؟
ولماذا يبدو – ما أراه - عصيّا على العيون؟ الجحيم في البقاء لا في الخروج ، سيكون الدخول في البرتقالة خلاصا ، لكنّه أيضا ، الباب الذي تندلق منه ريحنا على العالم.
لهذا يغلقون الأبواب، الشوارع، والمدن، لهذا يتقنفذون، هل البرتقالة قنفذ أعزل؟
أكاد أقول أنّ البرتقالة في نصّ جاكلين كان ممكنا أن تكون قنفذا لو أن الجملة الأولى تجاوزت " القلق " إلى " العالم " هكذا " يتكوّر العالم في يدي " جاكلين هنا تتحدّث عن عينها . لم تعد قادرة على استلام ما لا تراه الذات.
إزاحة العين أنجبت إزاحة في الرمز ، وبالتالي أنجبت إزاحة في الرؤيا، وأعتقد أنّ فاعلية النصّ تكمن في هذه الإزاحة ، فلو أنّ جاكلين نظرت بعين العالم لذاتها لتقنفذت وتلاشت ، لكنّها نظرت بعين ذاتها للعالم ، فأصبحت في منطقة الإشراف على العالم من العالم ، وهذا ما جعلها تسعى إلى خلق العالم بضخ نقص فيه .
فجأة عليّ أن أقول كلمة . فجأة عليّ أن أكون.
كينونتي ممحاة والعالم جمل مرصوفة.
" أعدت بناء برتقالة ، من قشر البرتقالة ذاتها "
كما لو أن حياتي تحقيق لمخطوطة إسمها العالم . على أيّ وهم يتقاتلون ؟ دم من في الكأس ؟ الملائكة تراقب حرج الخالق ، هل يقوى على محو " إنّي أعلم ما لا تعلمون "؟ أنا الخطيئة من ارتكبني ؟
منذ متى وقشر البرتقالة يشبه لبّها ؟ منذ متى والسماء تعجز أن تواعد الأرض في حديقة عامة ؟ ما الذي يختبئ وراء اصفرار دم البرتقالة ؟ لماذا تكوّرت ولم تستطيل ؟ ما الذي يعنيه التدحرّج ؟ محاولة في التغيّر مثلا ؟
الكلّ يتكلم ، هذا جيد ، إلا أن الجميع بلا آذان!
هل الجحيم بعيدة حقا ؟ الرغبة نافرة والمكان خرم إبرة. الماوراء أمام الأفق ، والأنفاق ثعابين ، ندخل فيها الى جنّة هاربة. ما الذي جعل السماء بعيدة عن اليد ؟ ولماذا يلفّني الدوار كلّما تذكرت نفسي ؟
تطوف حولي صيحة أخي تزارا :
" بقيت غريبا عن كلّ شيء ، تُرِكْتُ خارج كلّ شيء "
ها نحن نتذكّر السماء مرة أخرى ، نطالبها بما لا نقوى عليه ، فتسمع ولا تفعل ، تماما كما هي دائما ، منذ البداية الأولى. مسكين أخي أبيقور ذهبت صيحته سدى : " لا تطلب من السماء ما لا تستطيع أن تفعله بنفسك " .
" أذكر حين كنّا " في الطبيعة قبل أن تولد الذات ، " نصلّي " لغير ذواتنا " كنّا واحدا يردّد:- أبانا الذي في السّموات ...أعطنا السلام كما في السّماء كذلك على الأرض " إلا أنّ السّماء لم تنتبه لما في البرتقالة من إعجاز ، " لون داخلها كلون خارجها " فظلّ سلام السّماء عاجزا عن النزول إلى الأرض !من هنا تحديدا إنبثقت الإقامة في عالم يقيم في برتقالة ، عالم بلا أقنعة ، كلّ شيء فيه يعلن عن ذاته بدءا ، ولا يردّد ذوات الآخرين ، إنّه الخروج على ببغائية العالم.
الجميل في النصّ ، أنّ جاكلين سلام إعتبرت الوجه الواحد ضربا من التعرّي ، فأن نكون ذواتنا ، يعني أن نكون عراة ، بلا أقنعة.
وعنوان النصّ " برتقالة عارية " ليس إلا إشارة لهذه الوحدة بين لون الداخل والخارج.
-----------
الاقتباسات الغامقة من نصّ " برتقالة عارية " لجاكلين سلام .
|
وقفة إحترام للأدلاّء الجدد
June 26, 2010
يسقط علينا ضوء الشمس كما تسقط علينا حبّات المطر، فنحتمي بمظلاتٍ من حرارة الضوء كما نحتمي بالمظلات ذاتها من البلل، وبضوء الشمس نعيش، وبالمطر نحيا، هذا ما بقي لنا من السماء بعد أن أسقطتها المعرفة كدليل في الليل، لم تعد النجوم دليل المسافرين ليلا، وبهذا ابتعدت السماء قليلا عن أن تكون مُسَيَّرَةً لخدمتنا.
الإنسان يبتكر مُسَيَّراتٍ جديدةً دائما ، وسرعان ما حلّت الأقمار الصناعية بديلاً عن النجوم .
لقد بات بإمكان أيّ تائه على أيّ بقعة من سطح الأرض – سوى تلك التي تقع خارج نطاق المعرفة البشرية الراهنة – أن يستعين بهاتفه النقال ليعرف أين هو ، وأين يتّجه.
إبتكر الإنسان المتحضّر أدلاّءه الجدد، قتلت المعرفة الحديثة الشعور بالتيهان، لم يعد بإستطاعة الفرد أن يتيه، فهناك أدلاّء يقيمون في الأعالي بدلاً عن الآلهة القديمة، ليست مكائن فقط، بل روّاد فضاء أيضا، يراقبون الأرض، ويطيلون التحديق في ماوراء المجموعة الشمسية، فيجعلوننا أقرب الى بعضنا البعض، يقتلون حاجز المسافة، يختزلون لنا القارات والمحيطات، حتى كأنّنا نعيش داخل غرفة ضيّقة، ويفتحون أعيننا على ألغاز الفضاءات البعيدة، يجعلوننا قريبين من حركات النجوم، ولاداتها أو ميتاتها، بل يجعلوننا نتصوّر شكل الكون ككلّ، وسرعة مجرّاته التي تخترق عتمةً هائلة، لا يزال هناك ظلام لم يصله الضوء بعد، والكون ينمو داخل ذلك الظلام، ليس هذا فحسب، بل إنّنا مدينون بالكثير من تفاصيل حياتنا اليومية كالجلوس أمام التلفاز، أو الجلوس أمام شاشات الأنترنيت، أو إستخدام وسائل الإتّصال اللاسلكية، أقول إنّنا مدينون بكلّ ذلك الى الأقمار الصناعية.
ما يحدث، هو أنّنا لا نشعر بوجود هؤلاء الأدلاّء مع إنّنا لا نقوم ولا نقعد إلا بفضل خدماتهم اليومية، بل إنّ قلّة فقط هم الذين يتابعون أخبار الأقمار، أو أشجار أنسابها، وتندر هذه القلّة إذا ما قورنت بعدد المعنيين بأشجار أنساب القبائل وأنساب الخيل.
أذكر، عندما كنت أسكن في مدينة الثورة في العراق، في تسعينياتها تحديدا، عندما كان امتلاك الستلايت محضوراً قانونيا، كان الناس - الشباب خصوصا - يبحثون عن بدائل تعيد إليهم صلتهم بالأقمار الصناعية، في أيام دورات كأس العالم لكرة القدم على وجه التحديد، وقد ظهرت يومها بالونات الغاز الكبيرة الحجم وقد رُبِطَ بها سلك المنيوم خفيف، أما الطرف الثاني من السلك فيُشَدّ الى جهاز التلفاز كهوائي، وكان من حسن حظّ المتابعين أنّ أوقات البثّ غالباً ما تكون ليلا، فتبدأ البالونات بالصعود في السماء تحت جناح الليل، وكلّما ارتفع البالون أكثر كلّما كان النقل أكثر صفاءً، لعلّها تجربة غريبة لكنّها تكشف مدى قدرة الانسان على خلق البدائل في اللحظات الحرجة ، بسلكٍ رفيع وبالون أعاد العراقيون يومذاك صلتهم بالأقمار الصناعية.
ولعلّ تجربة ( بول مكارتني ) آخر عمالقة ( البيتلز ) في ألبومه ( الفضاء في داخلنا ) عام 2005 ، كانت تجربة إنسانية هائلةً، حينما ربط بالاشتراك مع منظمة ( ناسا ) الفضائية ثلاثة عشر ألف مستمعٍ داخل قاعة مع رائدي فضاء كانا يقيمان داخل قمر صناعي على ارتفاع مئتي ألف كيلو متر، وكانت المعجزة الإنسانية أن يُحَيِي من على الأرض من في السماء، صاح ثلاثة عشر ألف إنسان بصوت واحد " صباح الخير "، وجاء الردّ على شاشة كبيرة وبصوت جهوري " صباح الخير ".
عندما كانت الحرب الباردة في أوجّها بين أميركا والاتحاد السوفيتي سابقا، لم يكن من المنطقي - من وجهة نظر أمريكية - أن يرفع الأمريكان شعار ( صدام الحضارات )، رغم أنّه كان أليق أن يكون هو الشعار يوم ذاك، لأنّ الإختلاف الثقافي كان واضحا، كان إختلافا في المنهج، واختلافاً في الرؤية والرؤيا، كما أنّ حلبة الصراع لم تكن تدار من على منابر الكنائس والمساجد، فقد أسقط الشيوعيون هذا الجانب وأدخلوا الميادين العملية والمختبرات العلمية ضمن مدار التنافس، فما كان على الأمريكان الا أن يتّخذوا نفس المنهج، وكلّما ازدادت درجة حرارة الحرب الباردة كلّما أوغل الطرفان في التنافس على بلوغ المعارف بأقصر الطرق وأسرعها، وكان الفضاء ساحة التنافس القصوى، بل في أقل من عشر سنوات على إطلاق الاتحاد السوفيتي ( سبوتنك ) أول قمر صناعي عام 1957، أقول في أقل من عشر سنوات كان هناك عدّة أجيال من الأقمار الصناعية مثل فوستك وأبولو - التي أسّست لظهور محطات فضائية مثل ساليوت وسكاي لاب - بدأت تطوف حول الأرض في مدارات على ارتفاعات مختلفة، يؤدي كلّ قمر منها وظيفة معيّنة ومحدّدة .
لقد كانت الحرب الباردة تنافساً شرعياً على إمتلاك المعرفة التي تمنح القوّة، وكان نمو المعرفة إيجابياً في تقدّم الحياة البشرية، فلمّا تفكّك الإتحاد السوفيتي ، وبدأ العالم يقف على ساقٍ واحدة، رفع الامريكان شعار ( صدام الحضارات ) ليعلنوا بداية التنافس على الجهل الذي يمنح القوّة أيضا، لكن، بشكل سلبي بالنسبة للحياة البشرية، لأنّه في النهاية تنافس غير شرعي، لا يتكئ على مبرّرات عقلانية منطقية، وهكذا إستدارت عين الإنسان، وبدلاً من الإستمرار في التحديق نحو أعالي الفضاءات الممكنة، بدأت تبحث في المقابر والكهوف عن ما يؤثث بقاءها ، كما لو أنّ الكوكب يعيش إرتداداً معرفيا.
وحتى لا نذهب بعيدا، هذه الكتابة محاولة في إعادة الصلة بالأدلاّء المنسيين - ولو على صعيد التذكّر والإنتباه - لأنّ الإنسان في النهاية يتغيّر فقط عندما ينتبه لمفردات حياته اليومية، والكثير من الناس يعيشون في غيبوبة داخل أفكار الماضي التي تقف كعازل يمنع تحسّسهم لواقعهم الاجتماعي المختلف.
لقد اتّسعت الرقعة التي يتحرّك عليها الإنسان، لم تعد الأرض هي المأوى الوحيد، بل جزء من الفضاء أيضا، وهو جزء ينمو تدريجيا ، ولم يعد غريبا أن يقضي رواد الفضاء شهورا وهم في الأعالي يراقبون الأرض كما نراقب نحن نجوم السماء، لقد إتّسعت قدرة الإنسان، أصبح بإمكانه أن يرى أبعد، وأن يتحسّس ما يعتمل في داخل الأرض أيضا، الرؤى تتغيّر، والمفاهيم يعاد إنتاج قراءتها من جديد وبزوايا جديدة، العلم يقتل المسافة، وبهاتف نقّال يمكن أن يتحوّل الفرد - أيّ فرد-الى مركز حيثما كان على الأرض، كل هذه القدرات وهذه الإمكانيات يقف خلفها أدلاّء يطوفون حول الكوكب ليل نهار يمثّلون حلم الإنسانية في كسر محدودية الإقامة على كوكب واحد.
ولن أبالغ هنا إذا ما قلت أن أهم وظائف الحكومات الآن هي ربط شعوبها بالأقمار الصناعية، وتفعيل الشعور بالإنتماء الى المعرفة التي ترفع الانسان فوق مستوى صراعاته الضيّقة، تضخّ فيه حسّ الانتماء الى الكون، والى إنسانية أكثر سعة، بل وتقلّل قدر الإمكان من زخم الكائنات الطفيلية التي تعتاش على إمتصاص قدرات الآخرين تحت أقنعة الدين والقومية والعِرق، بل أنّ الإقتراب من الأقمار الصناعية يحدّد مدى إقتراب أو ابتعاد الدول عن اللحظة الزمنية الراهنة، ويحدّد أيضا إن كانت الدول حيّةً أم ميتة تنتظر التفسّخ .
|
فلسفة الحياة في لعبة
June 17, 2010
لم يسبق لي طيلة وجودي في العراق أن لعبتُ لعبة البولنغ، ولا أدري إن كانت- هناك - في بغداد صالة مخصّصة لهذه اللعبة أم لا، لذا أستطيع القول أنّ لعبة البولنغ واحدة من أهم الأشياء التي اكتشفتها في إقامتي– هنا- في أستراليا.
وكما كان الإنسان البدائي يُعَلِّب فلسفته للحياة داخل بنية أساطيره، وداخل بنية طقوسه وشعائره الدينية، فإنّ الإنسان الحديث لا يزال يضخّ فلسفة حياته في اللُّعَبِ التي يبتكرها، والبولنغ واحدة من هذه اللُّعَب التي لا تخلو من فلسفة وعمق.
والقول بأنّ البولنغ لعبةٌ، يعني مباشرة أنّها شيء كمالي، أي أنّها تدخل ضمن حقل الإستمتاع، وهذا الحقل بالتحديد هو الذي يكشف مدى عمق وشفافية الإنسان، لأنّ الاستمتاع من وجهة نظري، هو التبرير المنطقي الوحيد لوجودنا في العالم.
لعبة البولنغ تبدو سهلة وبسيطة، لكنّها في الحقيقة، تشبه تماماً ما نُسمِّيه في الكتابة الأدبية بالسهل الممتنع، فاللعبة على بساطتها تحتاج الى تأمّل وتركيز شديدين.
كراتٌ وقناني من البلاستك الصلد، وفي كلّ جولة يحقّ لك أن ترمي الكرة لمرتين، وهنا يتوقّف نجاحك على دقّة الرمية الأولى، فالقناني العشر منتصبة أمامك بترتيب مثلّث متساوي الساقين، وكلّ ما يتوجّب عليك هو أن ترمي الكرة الى النهاية المدبّبة العليا للمثلّث، وهي عادة ما تكون أقرب جزء الى (الفرد / الرامي)، فإذا ما أصابها الرامي فإنّ نسبة سقوط القناني العشر دفعةً واحدة ستكون عالية جداً.
ويحدث أن تنحرف الكرة فتقع في مجرى جانبي يأخذها بعيداً عن القناني، فتكون الرمية فاشلة، أو تذهب الكرة سدى.
كلما لعبتُ البولنغ أحسستُ بالعمق الفلسفي الذي فيها، وهو عمق ليس بالضرورة جزءاً من بنائها، لكنّها قراءتي الشخصية، ولعلّي أحمّل اللعبة أكثر من طاقتها، لكنّني هنا أحب أن أكشف عن إحساسي لحظة اللعب، وأحاول قدر الإمكان أن أجسّد انفعالي لحظة الرمي.
رمية الكرة في لعبة البولنغ تختلف تماماً عن رمية النرد في لعبة الطاولي مثلا، لأنّ النرد لا يعتمد في تدحرجه على يد الرامي بقدر ما يعتمد على مبدأ الإحتمال، حتى أنّ الإنفعال على وجه رامي النرد يختلف تماما، يمكن وصفه بالإنفعال الخارجي، فرمية النرد مثلا لا تتطلّب تركيزاً عالياً، أو تأملاً عميقا، بل أنّ نسبة الإرتجال هي الطاغية، يمكن تأشيرها من خلال قلق عين الرامي وعدم إستقرارها، واحمرار الوجه ، وسرعة التنفس ، كما أنّ رامي النرد يدرك تماماً أن لا دخل لرميته في التقاط الرقم المطلوب، لذا يلاحق النرد بتوسّلات طالباً منه الرقم المبتغى، وهناك جملة يتداولها لاعبو الطالولي فيما بينهم " عنده خوش إيد " أي أنّه يرمي النرد جيداً، وهي جملة لا أساس لها من الصحّة، لأنّ النرد كما قلنا يتبع مبدأ الإحتمال، فالنرد يتدحرج دون أن يمنح الرامي أيّ فرصة للتوقّع أو للتكهّن، على العكس تماماً كلّما تدحرج النرد ازدادت توسّلات الرامي بترديد الرقم المبتغى كما لو أنّه يقوم بتلقين النرد، وقد تكون هناك نسبة من الحظ في لعبة واحدة ، أو " داسٍ واحد "، لكنّها تبقى نسبة لا تتكرّر دائما.
أما رمية الكرة في لعبة البولنغ فإنّ لهدوء الرامي وليونة يده، توازنها ودقّة إتّجاهها، إضافة الى إنحباس النَفَس أثناء الرمي، الثقل الأكبر في تسيير وتنظيم حركتها، وعليه فإنّ إنفعال رامي كرة البولنغ سيكون إنفعالاً داخليا، ويستطيع الرامي من لحظة دحرجته للكرة أن يتكهّن مدى استقامة ذهابها تجاه رأس المثلّث المدبّب، أي أنّ هناك نسبة للتوقّع تبدأ مع اللحظة الأولى للرمي.
الكرة لحظة الرمي لا تبقى كرة، بل تتحوّل الى حياة بأكملها، ثمّ ينفتح أمام هذه الحياة ممرٌّ طويل، هو عمق الحياة ذاتها وهويتها الشخصية، فالكرة / الفرد، والرمية / الإرادة في مواصلة العمر.
أما القناني التي تنتصب بعيداً على شكل مثلّث متساوي الساقين فهي رمز لكلِّ التابوات والعوائق التي تحاول جاهدة أن تُحجِّم حركة وسعة حياة الفرد، وبالتالي تسلبه هويته الشخصية، تسلبه وجوده الذاتي الخاص، تجعله مكرّراً كالآخرين، ولعلّ الصدفة وحدها هي التي طابقت بين ترتيب القناني في لعبة البولنغ، وبين مثلّث التابوت السيئ السمعة ( الدين، السياسة، الجنس )، وهو مثلّث لا تزال زواياه مدبّبة في أماكن كثيرة من الأرض، ليس بفعل التأثير وإنّما بفعل الفرض والقسر، أي أنّها تابوات قائمة دون تبرير عقلاني.
وهنا يرتفع جدل ( اللعبة / الحياة )، فالنجاح يعتمد على دقّة دحرجة الكرة، وعلى التأمّل الذي يسبق الدحرجة، أي خلو ( اللعبة / الحياة ) من الإرتجال، رغم الكم الهائل من الإرادة في الارتجال، وكما في الحياة كذلك في اللعبة لا يمكن أن تكون هناك رمية إعتباطية، أي أنّ القصد جزءٌ أساسٌ من بنية اللعبة، وهو الذي يدفع اللاعب الى التركيز والتأمّل، وهذا يعني أن تكون ثمّة خطّة دائماً تسبق الخطو، ولكي تكون الخطّة أكثر نجاحا ينبغي التركيز على النهاية المدبّبة لمثلّث التابوات والعوائق التي تعرقل حركة ( الكرة / الحياة )، ومن ثمّ دحرجة الكرة باتّجاه النقطة التي لو إنهارت فإنّها ستقود الى إنهيار التابوات المجاورة.
داخل بنية كلّ لعبة هناك جانب مهم للإرادة الفردية، والبولنغ واحدة من هذه اللُّعب، هذا الجانب يجعل ( الفرد / اللاعب ) أكثر إحساساً بوجوده الخاص، وبقيمته الذاتية، وبالتالي يكون هناك بالضرورة عامل دفع كبير لمواصلة ( اللعبة / الحياة )، وتكون قيمة الفرد مساوية للكم الذي أسقطه، أو الكم الذي سيسقطه من ( المحرمات / الممنوعات / غير الممكنات ).
أما إذا تمّ تحاشي التابوات والعوائق فإنّ ذلك يعني ببساطة إنحراف ( الكرة / الفرد ) ووقوعها في المجاري الجانبية، فتكون ( الرمية / الحياة )، بلا جدوى، ويكون وجود الفرد فائضاً وبلا قيمة، أي أنّ وجوده سدى.
|
حريق
June 10, 2010
( 1 )
أرى النّارَ في الغابةِ
وأرى الأشجارَ
واقفةً
على رؤوسِ
أصابعِها
لا تهربُ
وأرى الطيورَ
أجنحةً على الأفقِ
وأرى الماءَ في النارِ
أجنحةً تتشكّلُ
ثمّةَ
من يُعيدُ
صياغةَ الألوانِ
لا أرى فنّاناً
النردُ وحدهُ
خارجَ
الإطار
( 2 )
قطارٌ يأتي
يتبع قطاراً مضى
الأوراقُ تتساقطُ
لتلحقَ
سقوطَها
الأوّلِ
وأنا أتحقّقُ من كوني حيّاً
بالكتابةِ
رغم أنّها تشيرُ
صارخةً بي
الى الحياة .
( 3 )
أفتقدُ الضفدعَ
ولا أفتقدُ الليلَ والنّهارَ
أفتقدُ الخطى
ولا أفتقدُ الطريقَ
أفتقدني
ولا
أحنُّ .
( 4 )
سيجارةٌ في فمِ الوقتِ
أنا
والرمادُ
أجنّةٌ
لسجائرَ أخرى
فهل الطبيعةُ المِنْفََضَة ؟
( 5 )
كان عليّ أن أخرجَ
فرأسي يغلي
بصراخٍ غامضٍ
جفافٌ لا يعالجُ بالماءِ
أظنُّني تأخّرتُ كثيراً
والنارُ
التي تركضُ مذعورةً
في الغابةِ
تجعلني أقفُ
كشجرةٍ
على رؤوسِ أصابعي.
باراماتا- 27 . 8 . 2009
|
واحد تحت ثلاثة
June 6, 2010
نُشِرَ هذا النصّ في بغداد في صحيفة الجمهورية في عددها (7903 ) الصادر يوم الاثنين 10 / 6 / 1991 ، وقد تمّ نقله عن ورقة مستنسخة سقط منها بعض الكلمات أشرت إليها بين الأقواس ككلمة مخرومة أو سطر مخروم .
دخول
مصادفةً، وجدتُنِي أحمل دلواً مملوءاً ماءً، أرشق به عقرباً تتضخّم، حتى تأخذَ حجمَ هرمٍ أو زقورة.
بلا انقطاع، تُخَيِّم الرتابةُ على كلِّ شيء، دون أن يتخللَ هاجسٌ أو وسواسٌ أفئدةَ اللوحة... غير أنَّ قرعَ جرسِ الكنيسةِ، في ساعةٍ معلقةٍ على الهواء الخامسِ والعشرين، أيقظ بي إنتهاء السبات.
إنغلاق
سقوط فجائي، من عرش السماء السابعة الى سرداب الأرض السابعة .
تجلّي
ليس من عادتي ملاحقة الكرة، كما لم يكن الفوز غايتي أبداً، هكذا دائماً أقف على قمّة البرج العاجي أُحصِي نبضَ العالم، أُعاينُ امتدادَ أطرافهِ، أراقبُ الحدثَ، وأتحدّثُ، غير أنِّي غالباً ما أستغرقُ صمتاً في الدلوِ الذي يتضاءلُ أمام اتّساعِ العقربِ.
أُدرك أنّه لكي تتساوى الكتل المتفاوتة حجمياً في الظاهر أن ( تتفجّر ) داخلياً، أي أنّ ضخامةَ العقربِ المتنامية أبداً لابدَّ أن ( أربع كلمات مخرومة ) يستمر الحال على ما هو عليه.
هذيان
وأنا أهبطُ الى غرفتي، إستوقفني مجنونٌ يحملُ عدسةً لامَّةً ينظر من خلالها للشمس، قلت : ستحرق عينيك.
قال : الأفولُ يبدأُ من لحظةِ الشروقِ ، يتناسلُ ، ثمَّ لا ينتهي أبداً.
شطرنج
حين يكون العقربُ مربّعاً أسود، وأكون أنا مربّعاً أبيض، ويكون الدلوُ مربّعاً أبيض، ويكون الماءُ مربّعاً أسود ... تكون الكفَّتان متناظرتين، فيكون اللعبُ هادئاً متّزناً دونما انحرافٍ أو ميل.
تجلّي
تكرارُ الفعلِ يجعله عادةً، وأنا صرتُ أتفنّنُ في عمليةِ الإملاءِ والإفراغِ، حتى كأنَّ وجودي الحقيقي يكمن في هاتين الحركتين.
أصبحتُ أراني ناعوراً أقومُ بحركةٍ سيزيفيةٍ متتاليةٍ، بعيداً عن الشعورِ بالرغبةِ أو بالمللِ، مثلَ تنفّسِ الهواءِ تماماً... غير أنَّ الغريب في الأمر هو تكرُّش الصدأِ على جدرانِ العقربِ المترامية ! كلّما دلقتُ دلواً تناسلَ الصدأُ وعمَّ الجدران كلّها، كأنّما الماءُ هنا يفعل عكس ما يفعله الماءُ ... إنّني أواصل عملي بلا غشٍّ، ولا أفكِّرُ في تقمُّصِ دور الخائن، غير أنَّ الماءَ انقلبَ الى شيءٍ آخر، ربّما مادةٌ ما دخلتْ فيه، أو أنَّ النظافةَ أصبحتْ تتمُّ بأشياءٍ غير الماء المعهود.
شطرنج
حين يكون العقربُ مربّعاً أسود، وأكون أنا مربّعاً أبيض، ويكون الماءُ مربّعاً أسود أبيض ، يكون الدلوُ مربّعاً أبيض أسود أيضا ... يكون أحدُ المتبارزين على أُهْبَةِ الإنزلاق.
هذيان
عينُ المجنونِ محروقةٌ تماماً، ومحفورةٌ بسكينٍ، لذا فهو ينطحُ جدرانَ المدينةِ كلِّها صارخاً: هو الذي قتلَ الدوشيشَ بيده وابتلعَ الموس.
إنغلاق
لم يتردّد الحلاق الأعمى في قصِّ أُذُنِي المتجسِّسة لتتساوى مع خصلاتِ رأسي الأصلع .
ملاحظة للقارئ
الصدق نورٌ في عينيك، والكذب نملٌ على لسانِك، طأطئ قليلاً لتستمرَّ كثيرا.
تجلّي
العقرب تنمو، تتَّسعُ، تمتدُّ، تصلُ إلى ما تريدُ، تتثاءبُ، يُدبِقُ عينَيها نعاسٌ لزجٌ، تنام باطمئنانٍ أعمى ... ينكمش الدلوُ، ينحسرُ، يكاد يتلاشى. إذن عليَّ أن أبذلَ من الجهدِ ما يوازي اتّساعَ العقربِ وانكماشَ الدلوِ، لكي يتمَّ التنظيفُ في الوقتِ المحشورِ على جرسِ الكنيسة المعلَّق في الهواء الخامس والعشرين.
شطرنج
حين يكون العقربُ مربعاً أسود، وأكون أنا مربعاً أبيضَ، وحين يؤدي الماءُ عكس ما أُريد منه فإنّه يتحرَّكُ من المربّعِ الأسودِ الى المربّعِ الأبيضِ فيكون الدلوُ مربّعاً أبيضَ أيضا، وبهذا فإنّ حركةَ العقربِ على المربّعِ الأسودِ ستقابلُها ثلاثُ حركاتٍ متتاليةٍ للمربّعِ الأبيضِ حيث أنا والدلوُ والماءُ، وفي الكسور تكون القيمةُ في حالة كون المقام واحداً هي قيمة البسط ذاتها، وعليه فإنّ ثلاث مربّعاتٍ بيضٍ على مربّعٍ أسود واحد تساوي ثلاث مربّعاتٍ بيض.
ملاحظة للناقد
لكي تصل الى الحدثِ المركزي، وصعودِ البناءِ الدرامي للقصّةِ، أُنْظُرْ في المرآة.
رؤيا
تحاول العقربُ الإلتحامَ بي، أو التهامي، تزرعُ أطرافَها في جسدي، تنشبُ حربتَها في لحمي، تحاول خنقي، هي بغيري لا تكون ، وتسعى الى تدميري!!
إنغلاق
أنفٌ يتركُ الهواءَ النقيَّ باحثاً عن الأوكسجين في قاعِ الوحل
تجلّي
كلَّما قَرعَ جرسُ الكنيسة في الساعة المعلّقة على الهواء الخامس والعشرين، أسقطُ من سمائي السابعة الى مجاري الأرض السابعة ( كلمة مخرومة) الذات تركض (سطر ونصف سطر مخرومان ) الواثبةُ عند كلِّ زلَّةٍ نحو الصعود، ينعطف الحوارُ جانباً، كان جافاً دائماً، لم أكن فيه أبداً ..أتواصل في السردِ، وفي اللحظات المتشظية، أنمو على ( كلمة مخرومة)، تضائلت حتى كدت ( كلمة مخرومة) تسامي العقرب، نفذ العمرُ بدلقِ الماءِ عليها والقيامِ على راحتها فماذا كان؟ مربعٌ أسودُ واحدٌ تحت ثلاث مربعاتٍ بيض.
خروج
نادلٌ يمسحُ بقايا ضحكاتٍ على المائدة.
ملحق
قد تكون العقربُ حذاءً منهوكاً، أو إلهاً صعلوكاً، قد أكون أنا فراغاً هائلاً، وقد يكون المربعُ الأسودُ قلادةً، أو هواءً متفسِّخاً، قد يكون المربعُ الأبيضُ محضَ طرفة.
|
المنشغل بنفسه أكثر من سقراط
صفحة من كتاب أصدقائي
جمال علي الحلاق
May 27 , 2010

ومن أصدقائي أيضا ( رشّود ) المجنون.
لقد كان للجنون مكانا ضمن علاقاتي الاجتماعية، شيء ما يجرّني الآن للتحدّث عن هذا الجانب المهمل في سيرتي، رغم أنّه ماثل بي ومعي حيثما حللت.
العلاقة الاجتماعية زمن خاص، وبالتالي، علاقات مختلفة تعني انّك تعيش أزمان مختلفة في لحظة واحدة، لكلّ شخص زمنه الخاص، الزمن هو الوعي، والناس لا تتشابه في الوعي، والجنون وعي مختلف، قد يكون وعيا غائبا، وبالتالي فهو زمن غائب في لحظة حاضرة.
و(رشّود) هذا له عمر أبي، يعني أنّه تجاوز السبعين بخمس أو شيء من ذلك، مات أبي قبل ثمان سنين، ولا يزال رشود حيّاً حتى لحظة كتابة هذه الكلمات.
أذكر أنّني سألت أبي عنه فقال: " أنّه كان عاقلا ثمّ جنّ، ربّما أحدهم ضربه على رأسه في خصام قروي"، فكانت النتيجة أن خرج من اللحظة، ليعيش داخل الزمن المفتوح.
حدث كلّ ذلك قبل أن أنتبه، لقد رأيته مجنونا، ولا أستطيع أن أراه غير ذلك، أليس هذا جنوناًً أيضا، فمحدودية الرؤية مثل انفتاحها المفرط، لا أدري أن كنّا أسوياء من وجهة نظره.
أحاول أن أفكّر في معنى أن تكون خارج الوعي طيلة وجودك على الأرض، منشغلا بغير ما ينشغل به الآخرون، تأتي الحروب وتذهب، وأنت خارج الصراخ، وخارج الحزن، لا تعير انتباها لمن جاء أو ذهب، لا رئيس يأخذك الى تفاهته، ولا قانون، حتى الأديان لا علاقة لها بالمجانين، فالتكاليف مرفوعة عن الطفل والمجنون والخرف، وكذلك يتعامل معه القانون المدني، فهو إنسان، لكنّه في نفس الوقت لا يعدّ كالآخرين، إنّه موجود، ويمتلك حقّ أن يكون موجودا، وشكله ونسبه يجعله يمشي بين الآخرين بعيدا عن رؤيتهم له، فهو منشغل بنفسه أكثر مما يجب، انشغاله بنفسه يختلف تماما عن ما تحدّث عنه سقراط، وبالتأكيد فهو ليس إنهماما بالذات كما سمّاه فوكو، لكنّه في النهاية يظل انشغالا بالنفس خارج نطاق الوعي البشري، أو فلنقل هو إنشغال بالنفس خارج نطاق المسؤولية، فهو حي غير معني، وغير مسؤول، وهي صفات تليق بشخص يمكن ان يرشّح نفسه رئيسا قادما.
المجنون يتحدّث مع نفسه، بل يحدث أن يضرب نفسه بقوّة وهو يصيح: إطلع، إطلع. رأيت ذلك مع مجنون في شارع الرشيد، وكان أصحاب المحلات الذين يعرفونه يصيحون: أضربه، حيل، طلعه. فأمرّ دون أن أعرف من المجنون حقّا.
لم يكن (رشّود) ممن يضربون أنفسهم، لكنّه كان كثير الحوار مع نفسه، وكم كنت أحب أن أعرف مع من يتحدّث هذا
لا يعرفون حدا للتحرّش به، لذا كان الحصى يخرج من جيبه الى جهات كثيرة.
كنت أخشى الاقتراب منه، أو بصورة أدقّ أخشى حصاه، يعيش مع أمه في حُجْرَةٍ طينية، في آخر القرية تماما، فبعدها تأتي البساتين ونهر ديالى. أمه تبيع أقمشة تحملها في صرّة على الرأس، تطوف القرية بيتا بيتا، وكان صوتها-قربيا جدا إن لم يكن هو ذاته-صوت فنان الخمسينيات عباس فارس تماما، خشنا، كما لو أنّ برقا وحشرات وأشياء أخرى تتكلّم في لحظة واحدة، وكنت على ما أذكر حين أمرّ بالقرب من حُجْرَتِه الطينية أركض خائفاً من القاطع درابين القرية ذهابا وإيابا.
كان يحمل مصيادته معه دائما، يملأ جيوبه حصىً متوثبا للرمي، هو مسالم بطبيعته، لكنّه شرس أيضا حين يُستفزّ، والأطفال أن يراني فأحصل على حصاة في الرأس.
مرّة، وكنت في العاشرة من العمر، أو بعدها بقليل، دخلتْ القرية حالة من الإنذار عندما صعد منسوب مياه نهر ديالى حتى لامس أعالي شجر البرتقال، كانت بيوت القرية على تلّة أعلى من قمم الأشجار، ومع هذا فإنّهم كانوا حذرين من حدوث مهاريب هنا وهناك تفتح النهر على القرية، فبعض الرجال بزوارق يراقبون صعود النهر، بينما الآخرون رجالا ونساء يصنعون متاريس من أكياس التراب يصفّونها على الحواف التي يمكن أن تنهار أمام زحف الماء، كنت في العشرة تقريبا، لا أذكر خوفي من صعود الماء، لكنّني أذكر قلقي مصحوبا بتعاطف شديد تجاه (رشّود) وحده، وحده فقط، فهو أقرب أهل القرية الى الفيضان، كيف سيقضي الليل هذا الخارج على الزمن؟ هل يعلم أن الفيضان قد يقتحم حجرته بين لحظة أو أخرى؟
وجاء الفيضان ومضى، وبقي (رشّود) حيّاً، لعلّه اختبأ في قوقعة ما، لكنّه نجا، لا اعرف كيف نجا، ولم أسأل عن ذلك، فقد مرّ الفيضان بلا غرقى.
كان ولا يزال غريبا جدا، ففي الصيف يلبس دشداشتين وجاكيتا ومعطفا، وفي الشتاء دشداشة وجاكيت، وغالبا ما يترك دشداشته دلعا، أما حدريته البيضاء فهي هويته أيضا.
لم اقترب من (رشّود) الا في عامي الرابع عشر عندما أصبحت حلاقا في القرية، وكان هو أحد زبائني، أحلق له شعره وأعطيه نقودا أيضا. وكان يسمّيني عليا، وهو اسم يطلقه على الرجال جميعا، لا أعرف سرّ الإسم، لعلّه بعض ما تبقّى من ذاكرة هربت فجأة.
لا أريد التحدّث عن القمل الذي كان يسرح قطعانا في الحقول الممتدّة من أعالي شعر رأسه الى أقاصي أسفل لحيته، لكنّني أحبّ التحدّث عن ذلك الإحساس الذي راودني عندما جلس (رشّود) تحت يدي على كرسي الحلاقة أوّل مرّة، لقد كان مهذّبا جدا، على وجهه ابتسامة شفّافة، لا يمكنني ان أتصور ليوناردو دافنشي إلا وقد سرق ابتسامة الموناليزا من وجه مجنون، لأنها لا يمكن ان تكون بهذا الصفاء إلا هناك، كانت البسمة ضوءا في العين، كان طفلا، ويستحي من نظرتي له، كنت أحاول اكتشافه، هذا الذي أخافني طوال تلك السنين، كم كان وديعا، غير انّ ابتسامته سرعان ما تختفي لتظهر سيماء أخرى، حادّة، لا تشير الى اتّجاهها، هو بين يدي وبعيد جدا، لا أحاول إرجاعه، على العكس تماما كنت أريده ان يكون هو كما هو، أن يذهب في غيبوبته القصوى، كانت ملامح الوجه تتغيّر بسرعة خاطفة، يتغيّر اتّجاه العين كما لو أنّني أمام سرب زرازير تنعطف هنا وهناك كما لو أنها شبكة صيد لا تريد أن تترك شبرا من الفضاء دون أن تصطاده، لقد كان بئرا لقلق عميق، لعلّه كان قلقا مني، أو من جلوسه تحت يدي أنا الهارب منه كلّما رأيته، هل كان يحاول الحفاظ على هيبته أمامي؟ لعلّه كان يتجوّل في الذاكرة ويرى الأطفال يلاحقونه ويراني معهم، هل حاولت ذلك؟ لا أذكر أنّني لاحقته، لكن هل يمكن أن يصدّق (رشّود) أن طفلا في القرية لم يلاحقه ولم يضحك عليه، للحظة خِلتُ أنّه سيُخرج مصيادته ويرميني بحصاة، أُحرّكُ بيدي رأسه يمنة ويسرة كي أشغله عن الذاكرة، إلا أنّ ابتسامته الأولى سرعان ما عادت إليه لتجعلني أكثر تعاطفاً معه، كان يتأرجح في بئره، وكنت أنا أحلق رأس بئر.
تكرّر قدومه الى المحل، فقد أصبح (رشّود) أحد زبائني، لكنّني في كلّ مرّة كنت أرفض أن أحلق له ذقنه، ليس هو فقط، كان موقفي تجاه الذقن واحدا، وكان الجميع يتقبّل ذلك مني برحابة صدر إلا (رشّودا)، فهو يصرّ على حلق الذقن، وأصرّ على امتناعي، فيبدأ بحكّ لحيته بأظافره كما لو أنّه يوجّه لي إدانة التواطؤ مع القمل، لكن دون جدوى، فيخرج من المحل حليق الرأس، غاضبا، رغم أخذه الجزية.
كنت أحلق له شعر رأسه صفرا بأسرع ما أستطيع، ثمّ أنظّف ماكنة الحلاقة من القمل قبل أن يراها زبونا آخر فيفرّ.
ومع هذا كانوا يتعاطفون معه، فهو في النهاية ابن قريتنا، بل هو جزء من هويتها، لعلّه يُذكر في الحكايات أكثر من كثيرين ولدوا وماتوا في القرية دون ان يكونوا سطرا في حكاية، منسيين ولدوا ومنسيين ماتوا، بينما بقي (رشّود) الذي يتجاوز عمره السبعين الآن يمتلك دفّة الأحاديث، أو هذا ما أراه– على الأقل- الآن.
|
|
| |
| |
|
|
|