د. فوزية الشندي

ليالي الشتاء الباردة

الجزء الأول

September 1, 2010

في الأشهر الاولى من السنة يكون البرد شديداً في لندن.. وهطول المطر وأصوات الرعد والبرق وبعض العواصف كلها مجتمعة تؤلف سمفونية رائعة تعزفها الطبيعة كل يوم.. السماء هنا دائماً تود أن تفرح الارض بأن تغمرها بالمطر. والنتيجة بعد ذلك واضحة خضرة لا مثيل لها في اي مكان اَخر. اَستمر هطول المطر.. وكنت قد دعوت صديقاتي على شرف صديقتي المقربة جداً لي وزميلتي في الدراسة حين كنا  في العراق أتت (ابتهال) وهذا هو أسمها من (جدة) قاصدة لندن مع ولدها الذي حصل على قبول في كلية الطب للدراسات العليا.. أتت معه لترتيب أمور سكنه والاطمئنان عليه حسب الاصول.
اتصلت بي ففرحت بها جداً.. حيث عملت ذلك الغداء العراقي وما ان انتهينا من الغداء. حتى كنت قد هيأت عدة الشاي وملحقاته من معجنات حلوة ومالحة. وبدأت أحاديثنا تتشعب فاقترحت عليهن اقتراحاً قلت: يا جماعة أنا بحاجة ماسة لكتابة موضوع فما رأيكن باستعراض حياة واحدة منكن حصل لها في الماضي ما حصل. وما مدى تأثيره عليها في الوقت الحاضر؟ وبصدق تام وبدون احراج؟
قلت: ولنبدأ بك (ابتهال) ضحكت وقالت: ألأنك تعرفين الجزء الاول من حياتي تريدين أن أنشر غسيلي الذي نشف من زمان؟
قلت لها: نعم أريد ذلك.. هيا تفضلي واشربي الشاي.. في هذه اللحظة كلهن تركن الكنبات وجلسن على الارض المفروشة بذلك الكاربت الاخضر والمغطى بالسجاد الايراني الملائم لامكانيات كوخي الصغير. المطر مستمر بالهطول.. مطر مطر مطر رحمة الله على السياب عيناك غابتا نخيل ساعة السحر.. مطر مطر مطر تحسرت (ابتهال) وقالت: أرجوك فوزية أتركيني بحالي، قلت لها: ليس هنالك أجمل من هذه الجلسة.. حياة عاصفة ومطر شديد وشاي لذيذ.. أرجوك ابتهال.. هيا.. قالت ابتهال: كانت مدارس بغداد الابتدائية سابقاً خليط من بنين وبنات وحينما ينتهي الطلاب الابتدائية ينتقلوا الى المدارس المتوسطة، فالبنات يذهبن الى مدارس البنات والاولاد الى مدارس البنين، كان الذهاب الى المدرسة بصورة عامة يمثل لنا فرحاً وسعادة ليس بعدها سعادة..
فالخروج من البيت يومياً هو خروج من عقد الملاحظات التي تفرضها عليك أم جاهلة أو أخ قاسي متسلط أو عم متبرع وحاضر للذبح والقتل في أي وقت كل ذلك الخوف والملاحظات تتراكم عندنا ونحن أطفال في اللاوعي ولكننا نتذكرها جيداً حين نبدأ بامتلاك الوعي ونرفضها في داخلنا ولا نستطيع التصريح بها.. فالمدرسة كانت المتنفس الوحيد الذي يجعلنا نرى بعض الأشياء بوضوح..
مثلاً تدربت عيوننا على تحسس الجمال من خلال جمال الملابس التي كانت ترتديها معلماتنا وطريقة تصفيفهن لشعرهن.. تناسق لون الحذاء والحقيبة اليدوية التي يحملنها.. رشاقتهن.. والأجمل من هذا كله هو (الأخلاق) وأسلوب التعامل معنا جميعاً كطلبة وعدم التفرقة بين الطلاب.. فعلاً كانت معلماتنا هن القدوة... كان لهم الدور الكبير والمساهمة في تخريج الكوادر الجيدة في كل مجالات الحياة..هم اللذين غرسوا البذرة الصالحة وحصدوها.. كنت وسهيل في نفس الصفوف في المدرسة الابتدائية.. وبيته مقابل لبيتنا...جيراننا.. كانت البراءة شيء بديهي عند جميع الطلبة بذلك العمر.. الى ان تخرجنا من الابتدائية وذهب البنات الى المتوسطة والاولاد كذلك.. خلف هذا الأنفصال عندنا فراغاً كبيراً حيث بدأنا (وخاصةً نحن البنات) نخضع لملاحظات التقاليد والاعراف والنواميس.. ملاحظات الأهل: لا تضحكي في الطريق وانت ذاهبة الى المدرسة.. لا تلتفتي الى الوراء...لا تنظري لأي كان... لا تتكلمي مع أحد اذا أراد أن يتكلم معك.. وحين كبرت رأيت صورة ذلك القرد الذي تتمثل به الحكمة الهندية..لاأرى.. لا أسمع.. لا أنطق، ولكن يبقى الأنسان يشكر الله على اعطائه العقل.. ليفكر بالصالح ويرمي بالطالح جانباً... كانت أمي تردد دائماً.. اذا (مؤشرة ياصبعها بوجهي) اذا راَك عمك يوماً او سمعك تضحكين بالشارع أو تتكلمين مع أحد... فسوف يذبحك على البلوعة (البالوعة) فكانت تخيفنا وتجعل منا جبناء لانستطيع الدفاع عن أنفسنا...كانت تقول أتعرفين لماذا يذبحك؟ قلت لها لا اعرف يا أمي.. مالذي فعلته حتى يذبحني على (البالوعة) قالت: خوفاً على اسم العشيرة من العار... فلم أكن أدرك ذلك جيداً... فحين كان يأتي عمي الى بيتنا مع عائلته كل جمعة للتجمع على مائدة الغداء بعد الصلاة... بأعتبار والدي هو الأكبر.. كنت أخاف واختفي بأية زاوية من زوايا البيت..
عند خروجي من المتوسطة كل يوم بعد انتهاء الدوام.. كنت أرى سهيل واقفاً قرب دراجته الجديدة ينظر الي ويؤشر بيده بسرعة ثم ينزلها وطبعاً أنا أخاف أن أذهب الى الجهة المقابلة التي تفصل بيني وبينه وهي عبارة عن ستة أمتار (6) هي عرض الشارع خوفاً من نظرات زميلاتي.. وعائلتي.. واخوتي.. وعمي السفاح الذباح.. واسم عشيرتي..ولقبي.. وكل ما يخصني فأبتسم له بالخفية وأأشر له بيدي.. ثم اندمج مع رفيقاتي للذهاب الى البيت..

واستمر الوضع هكذا.. لا يعلم به سوى الله وأنا وهو فقط ينظر الي من بعيد ويبتسم.. ويذهب مسرعاً راكباً دراجته، مرت سنتان على هذا الوضع..ونجحنا الى الثالث المتوسط وقد قررت مع نفسي أن اعبر الشارع هذه المرة لكي أكلمه.. انني اشتاق اليه فعبرت وأدرت وجهي ومشيت الى طريق خال.. قلت له: كيف حالك؟ قال: زين.. اجابني وقد احمر وجهه ثم أخرج من جيب قميصه رسالة يبدو انها قديمة وأعطاني اياها وذهب مسرعاً.. أخذت الرسالة وفتحتها وقرأت (عزيزتي ابتهال.. أريد أن أراك.. اكتبيلي اين ومتى؟).

 فرحت جداً بهذه الرسالة.. هي اول رسالة استلمها في حياتي، قرأتها عدة مرات الى أن حفظتها عن ظهر قلب ومن خوفي من أمي.. وعمي.. واخوتي وعشيرتي.. ونسبي.. ولقبي ومن بغداد كلها مزقتها حتى لا يعثروا عليها.. في اليوم وبنفس الطريقة.. كتبت له: عزيزي سهيل.. أنا أركب الباص رقم 16 الذاهب الى الأعظمية.. انتظر في محطة الباص لنركب سوية.. لأراك.. (وباص المصلحة) في العراق.. هي نفس الباصات الحمراء التي تسير في لندن... وعمرها الان يقارب السبعين عاماً ان لم يكن أكثر.. حيث طلب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري السعيد هذه الباصات من بريطانيا مشترطاً عليهم أن تكون قوية.... وتخدم الناس.. ولا تخيب اَمالهم.. وفعلاً كانت هكذا توجه سهيل الى الثانوية بعد نجاحنا من المتوسطة بتفوق.. وانا الى معهد المعلمات.. حيث ضغطت أمي علي أن اتخرج معلمة..لأنها كانت أشرف مهنة واكثر احتراماً في المجتمع... قلت لها: ولكن لا أحب أن اكون معلمة يا أمي... أريد أن أكمل الثانوية وأدخل الجامعة لاتخرج محامية.. أجابتني : المعلمة أفضل من المحامية.. نحن لا نريد مشاكل الناس تتراكم فوق رؤوسنا.. ويبدأ القاتل والمقتول من خلالك.. هيا.. وهل أنت أفضل من بنات خالتك؟ كلهن معلمات.. ما أحلاهن وهن يذهبن الى الدوام ويرجعن الى بيوتهن وعندهن عطلة ثلاثة أشهر.. ماذا تريدين اكثر من ذلك؟  أردت أن اناقشها اكثر.. فقالت: اذا تكلمت اكثر من ذلك.. فسأخبر والدك وعمك بذلك أفهمتي؟  قلت لها: ولكن هذا ظلم وبذأت أبكي... فسمعتها تقول لي: الذي يبكي في الاول.. يضحك في الاَخر.. سكت ولم استطع المناقشة وحزنت كثيراً.. وحين ركبنا الباص أنا... تابعو الجزء الثاني

                                                                                                                                                                                 

 

 

هذا سلامي وسيأتيك كلامي

August 28, 2010

هنالك مظالم كثيرة تحصل في كل مكان.. خاصةً اذا لم يكن هنالك قانون يحميك كفرد أو اعطائك حقوقك حسب كفاءتك كمواطن له حيثيات وحقوق، وأيضاً عليه واجبات..
قبل الدخول الى قاعة البروفات المسرحية كنا نأخذ استراحة حوالي الساعتين، منها نتغدى ونشرب الشاي ومنها نتجاذب أطراف الحديث.. وبعدها ندخل القاعة.. ودخول قاعة البروفات ليس كخروجها.. ونادي الأكاديمية عادة ما يزخر بالطلاب من الجنسين وبالضيوف من الفنانين بمختلف الأختصاصات.. ونحن جالسون على تلك المائدة في نادي الأكاديمية أطل علينا صديقنا الذي هو أشهر مصور فوتوغرافي في العالم اولاً وفي العراق.. صوره الفوتوغرافية الشهيرة موضوعة في أشهر قاعات العرض للتصوير الفوتوغرافي في العالم وفي المطارات وفي المجلات التي تختص بالتصوير الفوتوغرافي..
اَعتبر قيمة فنية كبرى لأنه مصور الحروب والثورات في كل أرجاء المعمورة.. هو أول من صور الثوار الفلسطينين وحارب الى جانبهم ووضع بصمته البارعة عليها.. وصور الثوار في ارتيريا وحارب الى جانبهم وذهب الى فيتنام وصور تلك الكوارث والماَسي وذهب الى (كمبوديا) وكوبا وتشاد والى كل بقاع الأرض التي تحصل فيها ثورة ضد الظلم والتعسف.. ايماناَ منه بأن الصورة الفوتوغرافية هي أثبت دليل على ما يدور ويحصل في أرجاء المعمورة من تشديد وظلم وتهجير.. يضاف الى ذلك ان مصورنا هذا فقير الحال لا يملك شروى نقير.. يملك فقط شجاعة داخلية وكاميرا ممتازة وحقيبة يحفظ فيها كل معدات تصويره.. ويملك كذلك عائلة كبيرة من عدة أشخاص عليه اعالتها..
التصوير عنده (قضية) وموهبة.. وهو في الوقت ذاته رزق له ولعائلته، فهو يعمل في جريدة رسمية من جهة ويصور في الشارع من جهة أخرى ويعمل في دائرة السينما والمسرح...واذا صادف وأن جمع مبلغاً من المال، فانه يأخذ اجازة ليسافر الى أماكن النضال ليصور ويشرح الحالة من خلال هذه الصور..
ومن بين الاف الصورتختار صوره من قبل  خبراء عالميين في التصوير الفوتوغرافي لتبقى علامة فارقة لتأكيد روح النضال والكفاح والجهاد في كل أصقاع الأرض، ثم يرجع ليداوم في دائرته ويكلف بأعداد تصوير أصعب المواضيع والملصقات التي هو نفسه غير مقتنع بها فلا يعملها مثلما يريدون.. بل مثلما يريد هو... كان عنيداً ضد الباطل..وشجاعاً مع الحق.. مشكلته العويصة كانت مع المدير العام ، كلما كانت تأتي الايفادات للمصورين الى عواصم الدنيا والمسابقات العالمية للتصوير الفوتوغرافي او دعوات العواصم الكبرى في العالم للمصورين (يشطب اسم هذا المصور) من قائمة المرشحين او الموفدين....ويذهب المصورون الاَخرون..وفي كل مرة يحصل ذلك..نفذ صبر هذا الرجل وأراد أن يعرف لماذا هو لا؟
والاخرون نعم؟ 
ففكر بطريقة (ألبانية) حرفة معروفة عن الألبان) أنهم يأخذون حقوقهم بيدهم لانه ليس هنالك من يأخذ حقهم وذلك القانون سار المفعول عند الألبان منذ 500 عام..
يأخذون الثأر اذا اَعتدي عليهم.. واذا لم يستطيعوا أخذ ثأرهم بيدهم فانهم يضعون الحجر على المعتدي ولا يسمحوا له بالخروج من مكانه لسنوات وان صادف وان خرج من بيته فان مصيره الموت... هيأ هذا المصور نفسه بعد (الرفض السابع) لأيفاده.
وذهب في ذلك الصباح من صباحات بغداد الجميلة، وتحديداً في الساعة السابعة بتوقيت بغداد المحلي.
فصعد من السلم الخلفي للعمارة وليس بالمصعد..وفتح باب المدير العام.. فراَه جالساً بكامل قيافته وحاضراً قبل مجيئي الموظفين بساعة كاملة خوفاً من زيارة من هم اعلى رتبة منه.
فاَندهش المدير واَستغرب مجيئ هذا المصور ودخوله عليه في هذا الوقت المبكر..
قال المدير: أنت؟
ما الذي أتى بك في هنا.. قفل المهذا الوقت المبكر؟
ومن سمح لك بذلك؟
صور الباب ووضع المقتاح في جيب بنطلونه.. فبدا الرعب ظاهراً على وجه المدير العام..
سأله المصور: هذه المرة السابعة التي تشطب فيها على اسمي من قائمة الأيفادات. ما الذي فعلته لك حتى تشطب اسمي من كل ايفاد؟
اَرتبك المدير العام وقال: لست أنا الذي يشطب اسمك وأنما (من فوق) قال له: وماذا تعني بكلمة (من فوق)؟  هل لك أن تعطيني اسم هذا (الفوق) الذي يشطب اسمي في كل مرة؟  قال المدير خائفاً: أجلس لنتفاهم... قال له المصور: اعتذر عن الجلوس يا حضرة المدير..لم اَت اليك لأجلس مع واحد مثلك...وانما أتيت اليوم لاوقظ ضميرك الميت.. واعلمك كيف يؤخذ الحق.. ولكن بيدي هاتين ...
هجم المصور بيديه القويتين.. وأمسك أول ما أمسك بخناقه ومن ربطة عنقه التي تحمل ماركة (بيركاردان الفرنسية الصنع) وتلك البدلة الأيطالية وذلك الحذاء الأنكليزي المتقن الصنع.. هنا مد المدير العام يده على مسدسه.. فأمسك المصور بيد المدير العام ولفها وبرمها الى الخلف....
وأخذ مسدسه ورماه في الغرفة وأخرج المصور مسدساً أسوداً وكبيراً كان قد حمله خلف ظهره ووضعه في حالة تأهب على رأس المدير العام قائلاً له: الان ماذا تقول يا حضرة المدير العام؟  بأمكاني الان شطبك وبشكل نهائي من الحياة.. مرة واحدة وليس سبع مرات.. جحظت عينا المدير العام وقال بالنص حسب رواية صديقنا المصور (على بختك او على اَمروتك)  سأعمل لك أي شيء تريده... فقط أترك رقبتي لقد قطعت أنفاسي.. قال له المصور: وهل تعتقد ان دخولي الى غرفتك مثل خروجي منها؟  سأحطم لك عظامك كلها ياسيدي ولكن بدون خروج قطرة دم... أخذ السيد المدير العام يرتجف ويتوسل رعباً وخوفاً، فقام مصورنا ورفعه عن الأرض وضرب به الأرض ثانية.. ورجع مرة اخرى فضرب به الأرض.. قال المدير متوسلاً : قل لي ماذا تريد الان؟  وسوف انفذه لك في الحال... قال المصور هنالك ايفاد جديد للمصورين صادر من سيادتك واسمي ضمن القائمة... قال المدير:  سأوافق عليه فوراً... فقط أتركني ، لقد كسرت ظهري.. قال له المصور: سأضرب بك الأرض سبع مرات على عدد الأيفادات التي شطبت اسمي منها وحرمت عائلتي من رزقها.. وبعد أن انتهى المصور من ضربه سبع مرات، رفعه بيديه مرة أخرى وأجلسه على كرسيه وقال له: عدل ورتب ملابسك أيها البطل، ولا تحكي لأحد عن  ذلك لأن ذلك يقلل من قيمتك كمديرعام.... ومصورنا هذا كان يتمتع بجسم قوي ولياقة بدنية عالية.. انه كالمحاربين الأبطال... هنا وبعد ان انتهى من مهمته.. أخرج مفتاح باب المدير العام من جيبه، ورمى بالمسدس الاسود الكبير على مكتب المدير العام.. ذلك لانه كان المسدس عبارة عن لعبة احد أطفاله. ثم نزل من السلم الخلفي (ولا من شاف ولا من درى).
صفق جميع الجالسين على المائدة في نادي الأكاديمية، وقالوا: هكذا الرجال وال فلا... الكل كان فرحاً ومتشفياً بعمل المصور هذا ضد شخصية المدير العام... لأنه كان يمشي على الأرض مرحاً وغطرسته لا يمكن أن يحتملها أحد... بارك الله فيك يا أبو الشباب هكذا قال الجميع... هنا أخرج صديقنا المصور كتاب الموافقة على ايفاده الى (البوسنة والهرسك) موقعةً بقلم المدير العام مع السرور....

ثم قال المصور: قلت للسيد المدير: هذا سلامي.... وسيأتيك كلامي.

  
  

 

 

"أيام العرس"

 

August 12, 2010

هنالك مثل شعبي عراقي يقول: (لو ضامك الضيم اتذكر أيام عرسك) قالوا هذا المثل معتقدين بأن ايام العرس هي أجمل أيام الحياة... قالوا ذلك ولم يعرفوا أنهم كانوا قد تورطوا بحياة لها أول وليس لها اخر صنعتها لهم أحلامهم وتطلعاتهم وطاروا عن أرض الواقع بعد أن اكتشفوا معادن من قرروا العيش معهم... ليس هنالك قوة لأظهار معادن الناس قدر الاحتكاك وخاصة بين الزوج والزوجة الشركاء في الحياة (نقول ايضا وضعته على المحك فظهر معدنه وكأنه (من الذهب الخالص) واخر يقول: ان معدنه (رمل فقط) فما أكثر الرمال في اكتشافاتنا ورمال من النوع يشوي الوجوه والنفوس والقلوب)
لذلك تعرض (سقراط) الى المحاكمات الدائمة حين اتهمته الدولة بتحريض الشباب ضدها حين سأله احد الشباب: بماذا تنصحني يا سيدي هل أتزوج أم لا؟  قال له سقراط: ان تزوجت فستندم وان لم تتزوج فستندم أيضا...

المهم بين فترة واخرى ألتقي واياها في زاوية هادئة في حديقة (الهايدبارك) حيث هنالك مصطبة قديمة جدا كتب عليها جملة لطيفة (اجلس واسترح وتطلع الى الاعلى ترى الله موجود بقربك)..   التوقيع   (السير وليم ريتشارد 1880).  

شجرة كبيرة تضلل هذه المصطبة.. والهواء العليل يحركها شرقا وغربا تتباهى بأوراقها الناصعة الخضرة.. حين أجلس تحتها أقول مع نفسي لو أن الله سبحانه وتعالى أعطانا نفس هذه الطبيعة وأخذ منا النفط لكان ذلك أفضل. 

تأتي ومعها شنطة سوداء حملتها على ظهرها كطريقة الانكليز نجلس سوية هي على جانب وأنا على جانب اخر من المصطبة وتضع شنطتها السوداء بيني وبينها فتبدأ بأخراج ما فيها: كوبين من القهوة تسكبهما من ذلك الثرموس الجميل وسندويشين خفيفي الظل لا يتجاوز حجمهما علبة الكبريت... ثم نبدأ سوية بشرب القهوة وقضمة الساندويتش.. قلت لها: ها؟

ما الجديد يا شغاف؟ (هذا هو اسم صديقتي  ومعنى (شغاف) هو الغلاف الرقيق الذي يغلف القلب).

تحسرت وقالت: راجعت نفسي كثيرا ورأيت أنني خاسرة وينطبق علي المثل القائل (طلعنة من الدنيا خسارة شبه المؤذن على المنارة)  قلت لها: ما بك اليوم؟  هل هذا اليوم هو يوم الأمثال العراقية القديمة؟  يبدو أنك اليوم متأزمة جدا.. والا لما طلبتي لقائي هنا ؟

قالت: لو كان أي انسان يملك وعيا كاملا وهو في سنوات شبابه الأولى لكانت قناعته كلها صحيحة وفي مكانها.. لو كنت أملك وعيا كالذي أملكه الان لما عملت ولما ضحيت ولما أتعبت فكري وجسدي... منذ أن تزوجته ( رحمة الله عليه) وحتى هذه اللحظة (أعطي ولا اخذ) طول عمري..(أعطي).

اولادي كبروا وتزوجوا... بناتي كبرن واكمن دراستهن وتزوجن... وأنا... اذا كان اليوم يساوي 24 ساعة زمنية فقد كنت أعمل أنا بما يعادل 48 ساعة يوميا وبشكل متواصل.. أدرس في الجامعة..أشرف على رسائل الماجستير أعد البحوث.. استيقظ الساعة الخامسة صباحا فأطبخ وجبة الغداء العراقية المعتادة واعمل كل ما يحيط بالغداء من مشهيات وسلطات وأشياء أخرى حتى حين يأتي الاولاد والبنات..أهم شيء أن اكون موجودة ليطمئنوا ويأكلوا بهناءة وعافية...كل شيء منظم..

برمجت نفسي ووقتي لخدمة البيت والعائلة ماديا ومعنويا.. أم زوجي وأخوته الغير متزوجات معي في البيت.. يعملن في التعليم... ولكن وحسب أوامر أخيهن الذي هو زوجي.. لا يشاركن بأي مردود مادي، يأكلن ويشربن ويمارسن حياتهن بشكل طبيعي.. والبيت هو ملكي، أعطاني ابي قطعة أرض في اجمل مناطق بغداد واستعنت بالقروض البنكية وبالجمعيات والسلف التي يعملها الاساتذة داخل الكلية ويفضلون اعطائها لي كوني محتاجة لأكمال بناء البيت... يضاف الى ذلك رواتبي ومحاضراتي.. كان الخير وافرا في ذلك الزمان... شيدت هذا البيت واسعا وكبيرا يستوعب عائلتي واولادي وكل الناس المحبين... كنت أعمل بوظيفتي وبالتزام دانم وأرجع الى البيت لأطبخ وأنظف وأكوي وأجامل وأتسوق وأحمل كل شيء من سيارتي لأنقله الى المطبخ.. ولا أحد يدري بذلك.. كنت أتوخى المثالية في كل شيء.. وعدم احداث اي مشكلة تنغص الجو على اولادي... كنت أتوهم السعادة كي أجعلها تتمكن من نفسي.. وأنشر جو التفاؤل مؤمنة وايماني جازم بأن الحياة أقصر مما نتصورها.. وزوجي الذي هو رب البيت لايحرك ساكنا، غاضب طوال الوقت... عابس لا يتكلم.. واذا أراد الكلام.. فانه فقط يصدر اوامره لي وللأولاد... لم أسمع منه كلمة لطيفة (من زوج لزوجته)... والكلمة الطيبة صدقة..على عائلتك واولادك وخاصة زوجتك...انها جمل وكلمات صغيرة لا تكلف شيئا حين تصدر بصدق من نفس زوج او أخ او صديق او ابن او بنت او حبيب... كنت أحلم بها..

ان الكلام الطيب يجعلني شجاعة أكثر متفانية أكثر خدومة أكثر مضحية أكثر... ولكن لم يتحقق مثل هذا الحلم مع الذين أعيش معهم... بل فقط مع المحيطين بك من طلابك وأقربائك وزوجي (رحمة الله عليه) يخصني بفلس واحد في حياتي كلها.. بل كان يأخذ مني أجور المحاضرات والبحوث وبيع الكتب التي أؤلفها وأطبعها وحين أحاول سؤاله عن ذلك.. كان يقول لي بالحرف الواحد: إذا لم يعجبك هذا الوضع بإمكانك الجلوس في البيت وسأتكفل أنا بمعيشتك والأولاد ولكن على طريقتي التي تعلمتها في أمريكا.. أنت تستلمين شهريا أضعاف ما أستلمه... وليكن في علمك أنك أكملت دراستك عندي، أي بعد أن تزوجتك.. فالذي أخذه منك هو جزء من حقوقي البسيطة عليك.. لم أكن أناقشه في ذلك خوفا من حدوث مشكلة تسبب قلقا لأولادي وتفكك عائلتي...
سارت الأيام والليالي الطوال، وقد ازدادت ثروتي أكثر فأكثر.. ففكرت مع نفسي أن الدنيا فانية وان الحياة كما يقول الكاتب الانكليزي تيسي اليوت: (الحياة حركة مستمرة نحو الموت) فلم لا أقسم كل ما أملك بالتساوي لأولادي وبناتي؟
ثم سألت نفسي: متى يستطيع هؤلاء تكوين أنفسهم إذا لم أساهم أنا في مساعدتهم في الحياة مثلما ساعدني والدي؟
قررت ذلك مع نفسي ونفذته.. كبر الأولاد والبنات بعد أن أكملوا جامعاتهم وحصلوا على شهادات فتحوا أعينهم وكل واحد منهم عنده بيت خاص باسمه وسيارة جديدة بمقياس العراق... وقطعة ارض وأثاث الزواج وشبكة العروس من الذهب الخالص وكذلك تحقيق رغبات زوجات أولادي في إقامة حفلة أعراسهن في فندق (المنصور ميليا) والمسكينة (شغاف) تدفع من دمها وتدفع وزوجها سعيد ومسرور ويرتدي أحسن البدلات الايطالية ويحضر أعراس أولاده وبناته وهو فخور بذلك (لأنه الرمز الذي لا يناقش) حينها ينطبق علي المثل القائل: (يتعب أبو كلاش أو ياكل أبو جزمة).

مضت حياتي كلها في التحضير شهريا لدعوات وعزائم كبيرة كان يقيمها زوجي لأصدقائه وزوجاتهم الأجنبيات، حيث أنهم حين وصولهم من أمريكا الى بغداد أسسوا جمعية أسموها (جمعية الخريجين) ويقصدون بذلك (جميع خريجي أمريكا) كان عدد المدعوين يزيد على الثلاثين شخصا وهذه الدعوات كانت (دورية) وحسب برنامج شهري.. فحين يكون الدور على أحدهم وزوجته أمريكية فأن جميع ما يقدم على المائدة هو صحن واحد فيه أشياء صغيرة نسميها في العراق (بالنمنمات).. أما إذا ذهبنا في بيت احدهم وزوجته ألمانية فأول ما يلفت نظرك إليه أن صاحبة الدعوة هي التي تأكل وتأكل وتأكل مما صنعته أيديها ولا تهتم بالباقين أما (شغاف) (المكرودة) فتبقى يومين كاملين بعد الدعوة تغسل الصحون والقدور وتنشفها وترتبها في أماكنها وتهيؤها للمعركة القادمة..

 وهنالك ملاحظة نسيت أن اذكرها وهي (في دعواته هذه التي كان يقيمها زوجي (رحمة الله عليه) كان هو الذي يتسوق ويدفع النقود من جيبه وليس مني (ألله شاهد).. ومرة واحدة في الشهر ومن خلال هذه العزائم والدعوات كنت اكتشف ابتسامته فقط حين يكون سعيدا مع أصدقائه وزوجاتهم، وكانت هذه الابتسامة ناتجة عن تمتعه بهذه الجلسة وشربه الكحول مع جمعيته هذه.. فكان يفتخر دائما بالأكل الذي يقدمه لهم (خروفين محشوين ومحمصين) من طبخ (شغاف) وأنواع المرق وكل ما ينتجه عقل المرأة العراقية المدبرة.. كان (رحمة الله عليه) يحضر قائمة يقرأها لي قبل قيام الدعوة بأسبوع وكانت هذه هي الفرصة الوحيدة التي يكلمني فيها بإخلاص.. لأنها تخصه.. أما فيما يخص الأولاد... وبعد أن تغيرت الظروف السياسية فقد خفت عليهم من تلك الظروف القاسية فعملت المستحيل كي أخرجهم من العراق... فذهب الكبير الى (سويسرا) هو وزوجته وأولاده وبقى الابن الأصغر مع زوجته وولديه في سوريا بعد أن ترك وظيفته في بغداد... بقي 5 خمس سنوات في سوريا منتظراً قرار اليونايتد نيشن بالموافقة على تهجيرهم الى دول اللجوء...في هذه الخمس سنوات من أين يعيش هو وعائلته؟

قولي من أين يعيش؟

أنا هنا في لندن كنت أعمل باختصاصي وأستلم رواتب مجزية وأحول له شهرياً ما يعادل 1000$ دولار أمريكي يضاف إليها راتبي التقاعدي الذي يبلغ حوالي 450$ دولاراً أمريكي ليدفع إيجار البيت والمعيشة وشراء الملابس الفاخرة لزوجته وأولاده (وشراء فرش للرسم) لزوجته التي اكتشفنا مؤخراً إنها (رسامة عالمية) الى هنا والموضوع طبيعي للغاية... انتهت الخمس سنوات.. ومر شهر ولحقه شهر آخر وثلاثة أشهر.. ولا من خبر لا من ابني ولا من أي أحد آخر... اّتصلت البارحة وخابرت الى أن قال لي أحد أصدقائه الموجودين في سوريا لحد الآن.. انه..ان ابنك سافر الى كندا.. نشف ريقي.. ولم استطع التكلم بعد ذلك.. سمعت صديقه يقول لي: سيدتي إذا أردت رقم تلفونه في كندا فهو عندي.. اكتبي.. كتبت رقم تلفونه وشكرته وبدأت أتعثر في مشيتي ولا أرى بعيني.. اّتصلت به وقلت: اّلو؟

قال من؟ قلت: ماما.. تفضلي..  قلت له: لماذا لم تقل أنك قد وصلت الى كندا؟

قال لي: (مختصر مفيد نحن لا نريد أن نخبر أحداً بذلك؟ فقلت له: وهل أنا أحد؟  قال: إذا فكرت في المجيء الى أوتاوا في كندا فليكن بعلمك اننا سوف لن نستضيفك....قلت له: يعني من أنتم؟  قال: أنا وزوجتي حنان أم سيف.... قلت: ولماذا؟ قال: لأنها قررت مقاطعتك.. لانك تسببين لها المغثة والإزعاج... قلت له: شكراً يا حبيبي ويا ولدي البار وسلملي على (فائضة الحنان) زوجتك هذه الحنينة (حنان) حينها تذكرت قول (رسول الأمة محمد ص) حين قال:

           لا تبنوا مالا تسكنون .. ولا تجمعوا مالا تأكلون ..  ولا  تدركوا مالا تأملون

نظرت إليها وقد طفرت دمعتان من عينها .

فقلت لها: هذا توقع غير المتوقع ياصديقتي أسكبي لي فنجان قهوة آخر.       

 

 

نعم هذا كل ما عندي

July 17, 2010

خلال العشر سنوات الماضية التي قضيتها في لندن..تعرف علي أناس كثيرون.. وانا ايضا بدوري تعرفت على عدد من الناس الفاضلين في تعاملهم ومبادئهم الثابتة في الحياة.. حيث أنهم لم يتخلوا عنها أبدا بالرغم من وجودهم في هذه البلدان مدة تزيد على الأربعين عاما او اكثر... ترى هؤلاء الناس أخذوا من الحضارة الغربية أفضل ما فيها كاتباع النظام وعدم اختراقه والابتسامة الدائمة ومبادرة الاخرين بكلمة صباح الخير او مساء الخير.. وافساح المجال للاخرين في التعبير عن ارائهم ومساعدة من يستحقون المساعدة كل هذه صفات انسانية اولا وحضارية ثانيا حتى ان طريقتهم بالكلام يراعون فيها عدم ارتفاع اصواتهم عند التحدث الى الاخرين... ثم واهم شيء لاحظته عندهم هو اعتماد الاصغاء للاخر والأعتراف برأي الاخر.. واذا كان هنالك رد على بعض الاراء المناقضة فانردهم عادة يغلف بابتسامة صادقة ودراية بالصح وليس التنديد بالخطأ والتقليل من شأن الاخرين المهم... هذا نموذج من الناس الذين أفضلهم على غيرهم واشعر بالاطمئنان معهم.. انهم من النوع الذي لا يفرط بالصديق خاصة اذا عرفوه حق المعرفة... حيث لا مكان للتصنع في معاملاتهم للاخرين او لأنفسهم اما النوع الاخر من الناس.. فانهم مصدر عذاب وانتقام من أنفسهم ومن الظروف ومن الاخرين.. وقد يمكنك أن تطلق عليهم (حديثوا النعمة) أعمارهم تتجاوز الخمسين ولكنك تراهم متشبثين بسن العشرين.. عندهم اولاد وبنات أطول من أمهاتهم وابائهم.. ولكن الاباء والامهات دائما في مفترق طريق (واسع الهوة) لا أعرف ماالذي يريدونه اكثر من الاطمئنان والأمان الذي يعيشونه هنا في بلد الأمان؟ مقارنة بما يعيشه الناس في العراق من غرق في دماء اولادهم وبناتهم.. اطفالهم وابائهم وأحبابهم؟
وبما يعانونه من شظف العيش ونقص في الطاقة التي هي عصب الحياة كالماء والكهرباء... ولكن هؤلاء الناس من النوع الثاني، لا يحمدون الله على ما هم فيه من سقف وتدفئة وحرية تنقل وأحسن أنواع اللبس والاكل.. لا اعرف مالذي يطلبونه اكثر من ذلك؟
طرق باب كوخي بعد منتصف الليل، فنهضت من فراشي مذعورة خائفة، فلم ارى نفسي الا وانا قرب الهاتف لأهيء نفسي للضرب على 999 لأنقاذي في الوقت المناسب.  استمر الطرق بشدة على زجاج غرفة نومي.. فأزحت الستارة قليلا.  رايت عائشة... صديقتي التي تصغرني بأعوام كثيرة والتي تعرفت علي حين كنت عند احدى صديقاتي... ما لذي اتى بها بمثل هذا الوقت ، انها المرة الثالثة التي تعملها ولكن ليس في بهذا الوقت المتأخر من الليل.. فتحت لها الباب وقد دخلت باكية على صدري وقد بللت دموعها التمساحية وجهي ومعها شنطة كبيرة سوداء تسحبها معها، ادخلتها تفضلي..تفضلي.. مالذي حصل؟
هي وهو هل يوجد غيرها؟ قلت لها : ولكن أتعرفين كم الساعة الان؟ 
قالت: اعرف انها الثالثة صباحا.. قلت:  يعني أنكما تخاصمتما بعد منتصف الليل؟  قالت: نعم.. ضربته على وجهه (بالطاوة) والطاوة عند العراقيين عزيزي القاريء العربي معناها (القلاية) وأعتقد أن احدى عينيه قد قلعت من مكانها ،
قالت: وبعد ذلك؟  قالت: نهض من الأرض فصفعني على وجهي فأمسكت بيديه وشددتهما الى الخلف واتصلت ب 999 وماهي الا خمس دقائق وكانت الشرطة عندي وبدون أي سؤال أو جواب أخذوه الى مركز الشرطة.. ولا أعرف ما سيكون مصيره، لذلك هربت من البيت وأتيت عندك كي أكون في مأمن من ذلك المتوحش الذي لايرحم، لذلك أتيت عندك كالعادة لتوفري لي الحماية وتنقذيني منه..نظرت اليها قائلة: كيف أوفر لك الحماية؟
بالكلاشنكوف؟  ام بالمسدس الكاتم للصوت ام بالصواريخ؟  أنا لا أملك الا سكينة صغيرة أقشر فيها البرتقال.  تطلب مني أن أحميها!!!  قلت لها: أولادك وبناتك مالذي حصل لهم في هذه الليلة الصاخبة؟  قالت: هم لا يختلفون عن أبيهم، دائما يلومونني ويدافعون عنه لا أحد منهم معي، كلهم ينعتوني بالتقصير وبالغياب الدائم عن البيت، وبأنهم نادرا مايرونني، انهم كذابون مثل أبيهم .  قلت لها: حتى هذه اللحظة لم اعرف ما هي المشكلة بينك وبين زوجك؟  قالت: الأسبانية نفسها..كل يوم كعادتي أفتش في جيوب سترته، رأيت صورة تجمعه واياها.. (السترة تعني الجاكيت) فواجهته بالجرم المشهود فقال: لست وحدي معها.. انظري جميع الموظفين واقفين في الصورة، .
قلت له: أنظر كيف أنك ملتصق بها، فأخذ يقسم لي ويحلف ولكن كأن كل قسمه كاذبا، ولم أسيطر على مشاعري الجياشة فذهبت راكضة الى المطبخ وضربته على وجهه (بالطاوة) فصرخ صرخة عالية أيقظت جميع الاولاد.

 قلت لها: حرام عليك فعل ذلك انني اعرفه حق المعرفة فهو رجل كريم معك ومع اولادك يوفر كل شيء لكم، يأخذكم في سفراته ويأخذكم الى المطاعم ويقيم ويدفع لاعياد ميلادك واولادك وفوق هذا وذاك فهو متحمل عبىء فشل اولادك فيدفع اجورا باهضة للمدارس الخاصة كي يكملوا دراستهم، واشترى لك سيارة اخر موديل تتنقلين بها متى تشائين وفي النهاية تعامليه بهذا الشكل؟  صدقيني يا عائشة .. لو كنت مكانه لما رجعت اليك مرة اخرى... بهتت في وجهي قائلة: بالاضافة الى ذلك فقد مزقت (الجاكيت) ومعه الصورة بالمقص الكبير الخاص بتقطيع الخبز، وبعد أن أفرغت غضبي بتمزيق جاكيته وقصه بالمقص الحاد اتضح لي انني قصصت 2000 الفين باون استرليني مع الجاكيت، كلها تباثرت قطعا صغيرة اخ.. مع كل الأسف لو كنت قد أخذتها قبل أن أمزق الجاكيت لكان ذلك أفضل شيء عندي.. هززت رأسي متأسفة لما حصل لهذه العائلة بسبب تلك الام الهوجاء ذات العقل القاصر.. قلت لها: راجعي نفسك وحافضي على عائلتك وكوني واثقة ان الله لن يغفر لك مثل هذه الأعمال التي تقترفينها ضد زوجك واولادك.. ردت علي قائلة: لو كان عندي قليل من العقل لجعلت الدهن ساخنا جدا ورميته على وجهه حتى تراه حبيبته بأبشع صورة. 
عندها تذكرت تلك الميثولوجيا الاغريقية القديمة حيث انتقمت الزوجة من زوجها حين علمت او أحست بخيانته لها فأطعمته لحم اولاده بعد أن قتلتهم، وقد تأكد لي أن التاريخ يعيد نفسه... بقيت عائشة عندي ثلاثة أيام بلياليها، حيث ملأت البيت برائحة دخان سجائرها وقلقها الدائم... اتصلي بأولادك وتأكدي من رجوع زوجك الى البيت، قالت: كلهم لؤماء لا أحد منهم سأل عني في هذه الثلاثة ايام وهم يعرفون هاتفي النقال، قمت انا فاتصلت بأولادها وبناتها فأجابتني ابنتها الكبرى مكسورة الخاطر قالت: ان والدها قد خرج البارحة من السجن بعد أن أثبت براءته أمام الشرطة، وان أمها كانت هي البادئة بضربه، فأمرته الشرطة أن يترك البيت وأن لا يتواجد في المنطقة المحيطة في البيت ابدا... سألتها أين هو الان اذن؟  بكت بكاء شديدا ثم قالت: أتى الى البيت ومعه أحد الشرطة  وأخذ ملابسه وخرج بعد أن قبلنا جميعا وترك لنا نقودا وذهب... سمعت عائشة ما قالته ابنتها فضحكت ضحكة عالية وقهقهت بأعلى صوتها قائلة: هكذا الشرطة والا فلا... بارك الله بألشرطة الأنكليزية، دائما ينصفون المرأة.. لملمت اغراضها ووضعتها في شنطتها الكبيرة ثم ركبت سيارتها وذهبت فرحة منتصرة قائلة: سأجعله ينحني على أقدامي وسوف وسوف لن أسامحه أبدا ستسمعين بذلك.  اتصلت بها عدة مرات ولم أتلق جوابا منها، فتركتها وشأنها.. هذا وقد مضى على ذهابها شهر كامل، اتصلت بعدها بي على هاتفي النقال: قلت أهلا عائشة، قالت: هل أنت موجودة في البيت؟  قلت: كلا لست في البيت.. في الحقيقة والواقع انني كنت في البيت واعتقد أن الذي اخترع الهاتف النقال كان اكبر كذاب في حياته حيث علم جميع الذين يستعملون الهواتف النقالة فن الكذب وانقاذ أنفسهم من المواقف الحرجة.. بعد هذه المكالمة قررت ان لا أرفع سماعة الهاتف الأرضي حتى لا تصيدني عيوشة. 
المهم قلت لها مالذي حصل؟  قالت: لقد طلقني وسافر خارج بريطانيا.. ولا اعرف اين ذهب وولى... قلت لها: ومن اين عرفت ذلك؟  قالت: من الموظفين الذين يعملون معه في المكتب... ثم بدأت بالبكاء... وأكملت قولها: تعالي وانظري وتفرجي على حالي... لقد تراكمت علي جميع القوائم، التلفون والماء والكهرباء والغاز واجور مدارس الأولاد الخاصة... تراكمت كلها فوق رأسي.. وفوق ذلك فرق الايجار الذي كان يدفعه لأن البيت (برايفت) وضخم وكان يدفع مبلغا كبيرا يسدده الى صاحب البيت.. لا أعرف ماذا أفعل, وفوق هذا وذاك فأنا لم أعد أستطع السيطرة لا على الأولاد ولا على البنات.. الكل عازف عني ولا يتكلم معي.. وابني الكبير لم يعد يأت الى البيت لينام فيه ولم يعد يداوم في الكولج، دبريني ماذا أفعل؟  ثم بدأت بالبكاء ثانية، قائلة: الان عرفت قيمة أن يكون هنالك رجل في البيت.. قولي لي ماذا أفعل؟  قلت لها: المسألة في غاية البساطة.. (قومي بدور الأب والأم معا) قالت: أهذا كل ما عندك؟  قلت لها: نعم أيتها السيدة الفاضلة.. (نعم هذا كل ما عندي).      

 

 

سلاما أهل سدني سلاماً

July 1 , 2010

سافرت كثيرا ورايت مدنا عديدة... وشاهدت تقاليد شعوب مختلفة لم ار مدينة مثل " سدني الاسترالية " والتي ينطبق عليها المثل القائل " الجنة بدون بشر لاتساوي شيئا" . فسدني ليست جنة تجري من تحتها الانهار او خضرتها كخضرة اوربا.. ولكنها جنة حقيقية في اهلها.. فساكني سدني هم اللذين صنعوا منها جنة وارفة بظلال الحب والضحكة والابتسامة والكلمة الطيبة والكرم والترحيب وكل الصفات الجميلة التي كانت معهودة في عراق الزمن الجميل هؤلاء الناس اخذوا اجمل ما في العادات واكرم ما في النفوس من خلف وحافظوا عليها انهم العراقيون بمختلف المذاهب والاديان.. تراهم في سدني وكانهم سمفونية بعضها يكمل البعض الاخر..

ما رأيته ما لمسته من الناس هناك جعلني اتفاءل ان الدنيا ما زالت بخير وفعلا ان العراق حضارة وشرف اجتماعي كبير.. وان الناس هنا بمختلف مشاربهم واهوائهم يمثلون نوعية عليا من المجتمع الراقي المطلوب في الحياة.. فحيا الله العراقيين في سدني وجعلهم قدوة لمن يقتدي من اناس دول المهجر الاخرى.. لا اعرف من اين ابدأ؟
انها صعوبة بالغة تواجهني حين اذكر كل ما احيط بي من احترام واعتزاز وتقدير وانا تلك الانسانة المتواضعة البسيطة والتي لا تملك من متاع الدنيا الا احترامها وحبها للاخرين ودعاؤها لهم بالخير وزرع الوشام في كل مكان يحلون فيه.. نزلت في مطار سدني ورايت في انتظاري باقتين من الورد.. باقة ورد تحمل باقة ورد قدمت لي من قبل تلك العائلة الكريمة " جوليت وزوجها وابنها " انهم مثال الكرم.. كان الابن الاكبر قد احضر سيارته وركبنا باتجاه فيرفيلد..

لم استغرب المنطقة رايتها وتذكرت منطقة اليوسفية او الحلة نفس لون الخضرة ونفس الشوارع العريضة ما عدا الالتزام بقوانين السير هنا وصلنا الى البيت وما ان جلست في الصالة حتى ذهبت ربة البيت الى المطبخ فنادتني " ست فوزية" قلت نعم ؟ قالت هيا حتى نتغدى .. قلت لها " صدقيني لقد اكلت قبل قليل في الطائرة قالت: اي اكل يقدمون في الطائرات؟

هيا تعالي وانظري ماذا عملت لك! ذهبت الى المطبخ فرايت " باجة" قلت : " باجة " ؟

قالت : نعم " باجة " هيا كليها ولا تهتمي لااحد يستطيع ان يطبخها مثلي.. جلست واكلت وكاني اتية من مجاعة افريقيا.. علقت قائلة:  كلي وليذهب الكولسترول الى جهنم.. اتى الشاي على الطريقة العراقية جاهزا ومعه صحن جميل جدا وضعت فيه المكسرات " الفستق والجوز واللوز " قالت : الموالح لذيذة مع حلاوة الشاي كلي هناك وقد قامت مسرعة حاملة بيدها صينية ساعدها بحملها زوجها لم ار اكبر من هذه الصينية في حياتي الا عند الشكرجية وبائعي الحلويات قلت: ماهذا؟ قالت: لقد عملت لك البقلاوة... اهذه كلها عملتيها بيدك؟ قالت نعم.. انتظري فقد عملت معها الكيك الاخضر والزلابية.. انتظري لا تبدأي، نادت على ابنها... هناك دق جرس الباب واذا بابنتها المتزوجة وزوجها وولدها اتوا جميعا للسلام علي هنا بدا البيت جميلا جدا بالجمعة العائلية الحلوة.

وقبل ان ابدا باكل البقلاوة والحلويات بعد " الباجة". سالتها : هل يوجد مستشفى قريب منكم؟

قالت وبكل حماس " طبعا فالخدمات هنا ممتازة .. اكيد هنالك سيارة اسعاف؟

قالت: لماذا؟ قلت اعتقد انني ساحتاج اليها.. ماهذا الاكل الطيب.. وما هذه الكميات؟ قالت ومنتصرة: لا تهتمي الدنيا بخير وكل شيئ متوفر هنا.

دق جرس هاتفها.. قالت: نعم لقد وصلت.. انها هنا.. جيد جدا الساعة السابعة هذا اليوم.. اهلا وسهلا الحلويات تنتظركم.. وماازال بحيرة من امري.. الا وقد اتى جمع من الناس انهم:  "صحيفة العراقية " برئيس تحريرها السيد موفق ساوا وزوجته السيدة هيفاء وجمع من المصورين وصحفي ضخم الجثة وكأنه مصارع اذا رفع يده على احد فسوف يطير الى اعلى انه الصحفي المشهور في هذه الجريدة " احمد الياسري" .

الكل جلس في الحديقة الخلفية ووقع العبئ على صديقتي الكريمة ساعدها الله في ذلك حيث انها كانت تضيف كل من ياتي للسلام علي او يودعني " بارك الله فيها ". الكل محب والكل يوجه اسئلة موضوعية ومنصفية والكل يعمل بنية صافية.. فكان هذا هو اللقاء الاول الذي اجرته معي " العراقية" واضعة لي صورا عديدة. قلت مع نفسي الناس المثقفون هنا عمليون جدا بعد ان علمت ان جميع الصحف العراقية هنا توزع مجانا على الناس، احترمت تضحينهم.. حيث ان طباعة الصحف تكلف كثيرا.. اخراجها طباعتها الوانها مواضيعها فكيف يصرف لهم ذلك؟ فعلا انهم ابطال.. الى هنا حين نظرت الى صينية البقلاوة الكبيرة رأيتها قد انتهت عن بكرة ابيها فاعطيت الحق لصديقتي في عمل الكميات الكبيرة انها توزع ايضا ما تبقى منها..خيم الليل علينا.. تنازل ؤب البيت عن غرفته لي وبقينا نتكلم انا وصديقتي حتى الصباح فصعدت رائحة الشاي المهيل عبر الجدران الى الطابق الثاني انه ابوهم قد " عودهم على تخدير الشاي "..

كل صباح.. شيئ جميل.. قلت لها: لم انم منذ 24 ساعة الماضية.

قالت: لايهم افطري واشربي الشاي ثم اصعدي نامي وهيأي نفسك.. لاننا مدعوون لحفلة ذكرى تاسيس" جريدة بانوراما " قلت لها حاضر ياسيدتي. صار المساء وصديقتي المسكينة تنقلني بسيارتها الى المكان.. نزلنا عند بناية جميلة جدا في تصميمها.. انها القاعة التي سيقام الحفل الخاص ”لجريدة بانوراما“. كانت القاعة واسعة جدا اوسع من الخيال.. وكان اول من استقبلنا رجل مهيب الطلعة  مبتسم الوجه فارع الطول.. يرتدي بدلة سوداء انيقة وبجانبه تقف عراقية الاطراف رومية الحشا بابلية العينين ترتدي بدلة انيقة جدا بجوار زوجها.. صافحانا واستقبلانا بابتسامة واسعة ان تفضلوا انها رئيسة تحرير " جريدة بانوراما " السيدة " وداد فرحان" وزوجها " الدكتور باقر الموسوي " والذي اطلقت عليه فيما بعد اسم " الرجل الضرورة " همست زوجته في اذني قائلة: اريد ان اجري معك لقائين: الاول صحفي والثاني تلفزيوني.

قلت لها على الرحب والسعة، ودخلنا القاعة وفي لحظتها كانت القاعة غاصة بالمدعوين.

استعرضت بنظري جميع الناس فلم اشعر بالغربة ابدا، انهم احبائي وناسي اصدقائي واهلي الذين كنت التقيهم مرارا وتكرارا في دار الاذاعة والتلفزيون العراقي..

هاه .. انه الملحن الكبير عبد الحسين السماوي وذاك الممثل المعروف كنعان علي .. وهذا الذي مثل دور عطيل المبدع عباس الحربي الكاتب والسيناريس ذو الفكر الثاقب .. ها هو عزيزي وزميلي الفنان منير العبيدي الذي كان ممثلا مبدعا والذي كان يعمل معي في النشاط الفني أيام زمان .. يا الله انه المخرج التلفزيوني المبدع " صباح فنجان " والذي اخرج أعظم أغنية للعراق تدعو الى عدم التفرقة بين الأديان .. وان العراق هو الأول ..

اهكذا الدنيا صغيرة ؟

ثم نظرت الى الجانب الآخر فرأيت ابتسامتها الصادقة إنها فنانة الشعب العراقي .. الكوميدية المبدعة السيدة " سهام ألسبتي " زميلتي ورفيقة دربي حين عملنا سوية منذ فترة الستينات قبل ظهور الفيديو وكان البث حيا بالأسود والأبيض.. عملنا معا في "العمة كرستي "و"الوجه الآخر لفؤاد التكرلي "و" أعمال أخرى إذاعية كثيرة .. رحم الله تلك الأيام الذهبية وألهمنا الله الصبر والسلوان انه سميع مجيب "و" أيام تحت موسى الحلاق" وغيرها من الأفلام السينمائية.. وعلى الطاولة الأخرى رايت شبابنا العراقي المبتسم.. أتى احدهم وسلم علي وعرفني بنفسه: على الدليمي، أهلا بك يا أبو حسين والصحفي المعروف محمد بكر صالح وزوجته الفاضلة أشواق الجابر، رحبوا بي وعملوا لقاء مميزا.. كانت الكاميرات التلفزيونية موزعة توزيعا هندسيا رائعا ةماننا في استوديوهات " اليونفرسال" إنها بقيادة الفنان التشكيلي العالمي المخرج " أدور رسام " كانت عنده خطة محكمة لكيفية تغطية الحفل بجميع أجزائه.. وعلى الطاولة الأخرى كانت باقة جميلة من الألوان البشرية " الرياضي المعروف سعدي توما " وزوجته الجميلة سعاد وآخرون لم استطع حفظ أسمائهم.

كانوا في غاية الأناقة.. قسم منهم قالوا لي: أنهم كانوا طلابي في مرحلة من المراحل الدراسية.. ذهبت الى جميع الموائد وسلمت عليهم فردا فردا والتقطوا الصور المتعددة ..

ثم سمعت احدهم يلقي شعرا وكان واقفا خلفي : انه الشاعر حيدر كريم, جلسنا في المكان المقرر لنا.. وبدأت الموسيقى العراقية التراثية تعزف من خلال عازفين عراقيين..

فظهر نجم في سماء هذه القاعة الكبرى بصوته النقي الصافي الخالي من الشوائب واخذ يغني المقام العراقي على أصوله وفصوله.. ثم انتقل الى الغناء الذي يمثل الجهة العربية شمال بغداد.. ثم غنى البدوي وبعدها "البسنة البغدادية " وقد قام الشباب والشابات والكبار والصغار يرقصون على أغانينا العراقية الجميلة " انه الفنان الكبير والمبدع إسماعيل فاضل " هكذا الأصوات وإلا فلا .. صوت لا يقترب من التدخين ولا شرب الكحول فيضل محافظا على نقاوته ابد الدهر.

انتهت تلك الليلة الجميلة ورجعنا الى البيت.. وبعدها توالت الزيارات الى بيت أصدقائي اللذين استضافوني عندهم وتورطوا وكانت زيارة الأستاذ " متي كلو " مع فريق "البانوراما " زيارة مشرفة وفيها احترام كبير لي,, وحين رجعت الى لندن واتصلت بالأستاذ "كلو" لأشكره واسلم عليه: اجابني بجملة لا يمكن ان أنساها ما حييت: مكالمتك هي أجمل التميز لي " يا الله ما هؤلاء الناس..

هكذا هي أخلاق أهلنا وأحبابنا ومثقفينا وانتهت الحفلة الرائعة بتنسيقها ومستوى تقديم الطعام فيها والطرب الجميل والناس الحلوين..

وما ان ابتدأ اليوم الثاني حتى توالت التلفونات على بيت صديقتي واحدا تلو الأخر.. " .

طبعا اتصل جميع هؤلاء الناس بجريدة العراقية ليأخذوا تلفون بيت أصدقائي "فقد اتصلت بي الفنانة " سهام السبتي " ودعتني  على الغداء حيث كان البط المحمر هو البطل فوق المائدة وكذلك السمك المشوي على الفحم حيث ذكرتني هذه الدعوة بدعوة الفنان منير العبيدي وكانت دعوة سمك فاخرة في بيته جمع فيها اكبر عدد ممكن من الفنانين" وهذه هي شيمة أم يحيى" والنعم.

اما الدعوة الثانية فكانت من قبل السيدة الشابة "برناديت " زوجة الدكتور "وليم منشي" وعائلته الكبيرة التي كانت تضم كل عناصر الجمال في الاشكال والمضامين والاسماء.. "برناديت"وجانيت" و"كلندن" وفارس والاخرين اللذين كانوا في غاية التهذيب والذوق الرفيع بناته .. اخواته .. اخوانه وزوجاتهم .. ثم وجهت الينا دعوة اخرى من قبل زوجة الدكتور "ايشو صليوا" في داره ايضا وكانوا غاية في الكرم..
واتبعتها دعوة اخرى من مخرج المنوعات التلفزيوني المعروف "نبيل ابراهيم وزوجته"في بيته الانيق وكانوا جميعا كرماء ورائعين ومخلصين ..

ثم أعقبتها دعوات أخرى لا تعد ولا تحصى .. وبالمناسبة فقد ظهر لي اقرباء كثيرون في اوستراليا واصدقاء من خارج الوسط الفني كلهم اتصلوا بي للسلام علي وذلك بعد قراءتهم للصحف التي اجرت لقاء معي .. طلبت من صديقتي المسكينة التي ابتلاها الله بي ان تاخذني الى السوق .. محلات بيع الملابس الجاهزة .. وهناك راتني شابة جميلة فابتسمت بوجهي قائلة : ست فوزية الشندي ..؟ قلت مرحبا ، قالت اعرفك على نفسي :

"انا المهندسة فائزة الحبيب ام كارلو وزوجي هو سامي الحبيب " قلت : تشرفنا بمعرفتك وظلت ممكسكة بيدي قائلة : من فضلك نود ان ندعوك انت وبامكانك دعوة 20 صديق معك .. انت تختارينهم في صالة الخيام وسنكون انا وزوجي سعداء بذلك ..

قلت لها : اتشرف بدعوتك .. وحل الموعد .. فذهبنا في تلك القاعة الدافئة باهلها وحنانها وكانت الحبيب حاضرة ومعها زوجها في استقبالنا .. وقد اتت الفنانة سهام السبتي ايضا .. وبدأ " بليل سدني يغرد" انه المبدع "اسماعيل فاضل " وقد غنى اغنية جميلة ذكر فيها اسمي واسم سهام السبتي ففرح الجمهور وضحك وصفق .. انها ليلة من ليالي العمر وهذه البادرة من السيدة فائزة الحبيب وزوجها السيد سامي " سوف لن تمحى من ذاكرتي ابدا .. وقبل انتهاء الدعوة بدقائق رن جرس الموبايل الخاص بصديقتي المسكينة جوليت ، واعطتني اياه .. قلت نعم ؟

قال الصوت انا علاء .. نحن مطعم وصالة الافراح .. انت مدعوة ومن معك من قبل السيد "وصفي زورا" Wasfi  Zora  صاحب مطعم الافراح الجمعة الساعة التاسعة فاهلا ومرحبا بكم .. ذهبنا ومن معنا حسب الموعد المحدد لنا .. فكانت دعوة جميلة مليئة بالطرب والشعر والثقافة والمشاهد التمثيلية بين الفنان كنعان علي والسيدة سهام السبتي ، رجعنا الى البيت : فقلت لصديقتي ما هذا ؟ اعتقد ان " حاتم الطائي قد ولد في سدني " وهؤلاء هنا يؤدون واجب الضيافة ..

في الحقيقة كان قدومي الى سدني هو بصدد كتابة سيناريو لفلم سينمائي " يحكي قصة حب تقع بين رجل من نيوزلندا وامراة من سدني" والصدفة ان هؤلاء الكائنين مطلقين بسبب عدم الانجاب.. فيحصل الذي يحصل وتنسج الحكاية.. فحين وصلت الى سدني تغيرت جميع الاتجاهات ودخلت في خضم حب هؤلاء الناس الذين تحدثت عنهم جميعا.. فانتعشت ذاكرتي.. وكتبت ما كتبت.. وحين رجعت الى لندن كانت ذاكرتي طازجة ومليئة بعنفوان العواطف الصادقة فأسقطت جميعا على كتابة السيناريو..

واجمل شيئ اود ذكره.. هو شكري وامتناني لجميع اللذين أتوا لتوديعي محملين بالهدايا الرائعة وعلى راسهم المذيعة السورية المميزة السيدة مريم واخرين كثيرين محملين بالعطور والسرور ,, فمتى استطيع ايفاء ديني هذا لهم؟

كل الحب وكل الاحترام لهذا التحسس الجميل ..

واخيرا وليس اخرا لبست شالا مزكرشا مرصعا بالأحجار أهدتني إياه ابنتي وصديقتي وداد .. وارتديت معه ذلك الثوب الجميل الذي اهدتني اياه صديقتي جوليت ..

وحين وصلت مطار هيرثو في لندن كانت رقبتي مزينة بقلادة من اللؤلؤ الابيض الاصلي الجميل وكان ذلك من احبائي رشا وسنان وداني.

” فسلاما لاهل سدني والف سلام "

 

 

أيكر ونايكر
2 – 1

June 3, 2010

بالرغم من طبيعة العمل الفني وأجوائه اللطيفة والمليئة معا بالصعوبات والتي أهمها انك تقبل أولا تقبل عند دخولك ستديو سينمائي أو تلفزيوني أو مسرحي تنقطع تماما عن العالم الخارجي المملوء بضوء الشمس حيث ترى الناس والشوارع والجامعات كلها على حقيقتها... لذلك فأكثر الفنانين الذين تراهم اجتماعيون ولطيفون يلقون النكات ويحسنون الأجواء.. إنهم في الحقيقة والواقع يعشقون الهدوء والسكينة الى النفس والصمت ويختارون زوايا في بيوتهم هادئة يركنون إليها لكي يتوحدوا مع أنفسهم وكان هو ذاك حالنا عندما كنا في العراق وحينما بدأت مرحلة الشتات وتفرق كل من تفرق في بلد الله الواسعة، كان الحصول على التمتع بالوحدة هو المكسب الوحيد للفنان في بلد الغربة، حيث يخرج ليقضي حاجاته ثم يرجع الى كوخه أو بيته الصغير الذي لا يتجاوز عدة أمتار وهو قانع ومكتفي.. المهم انه رجع الى ما كان مفقود لديه قبل ان يأتي الى بلاد الغربة.. كل الذي أود قوله ولا مدحا بنفسي.. إنني أحب تنظيم كل شئ في حياتي.. فأنا شهريا أشاهد عملا مسرحيا واحدا ضمن دليل مصور بطريقة جيدة" بروشرز" فيه إعلان عن جميع المسرحيات ومكان عرضها وعنوان المكان.. وكذلك زمن المسرحية وكم عرض لها في اليوم ان كان عرضا نهاريا أو ليليا وبالرغم من غلاء التذكرة وضيق الكراسي وقدمها خاصة في القاعات الانكليزية القديمة لكنهم والحقيقة تقال يقدمون لك عملا مسرحيا مبهرا في كل شئ..وأضع في قاموس جدولي أيضا ذهابي الى مطعم كباب عراقي مشهور كل أسبوعين مرة واحدة أي في الشهر مرتين.. ولا استبدل هذا المطعم أبدا لأني اشعر بحميمة لأنه بسيط ومرتب ونظيف. أما باقي أيام الشهر فاقضيها بين القراءة والكتابة.. ومشاهدة بعض الأفلام الجادة ومهاتفة الأصدقاء في ذلك اليوم ذهبت الى مطعم الكباب، وما أن جلست إلا وسمعت صراخا قويا صادرا من أعلى زاوية في المطعم وصوت امرأة تضرب الطاولة بيدها.. لقد لفتت أنظار من كان جالسا في المطعم جميعا تتعارك وتشتم بصوت عال وبكلمات نابية مع رجل عمره في الخمسين.. كانت تقول له: أمك وأبوك ليس أفضل من أمي (شكمه وأبي تايه) فرد عليها قائلا: عاشت الاسامي فنهضت من مكانها تريد ضربه.. لولا لطف من الله.. فقالت له: اذهب وأسال عنا وهم سيقولون لك من نحن؟ أتعتقد يا ميت الضمير لأن اسم أمك سلمى هو الذي يجعلك تدعي انك من الطبقة العليا؟ يا لحظي الأسود له تزوجت قردا لما حصل لي ما حصل معك أيها المنبوذ.. قال لها: أكان جميع أزواجك السابقين قرودا؟ إذا لماذا لم تستمر معهم ؟ أتريد الجواب؟ لأنهم لا يختلفون عنك في كل شيء فانا اخجل ان اسميهم رجالا قال لها: وأولادك؟ أليسوا رجالا؟ قالت له صارخة: ليس من حقك ان تذكر أسياد أولادي وبناتي، فانا قد ضحيت بكرامتهم جميعا حين تزوجتك منذ شهرين عندها قال لها: اعتبرني ان هذا اليوم هو آخر يوم أراك فيه، قالت له " خفة وراحة" أعطني سويج السيارة فرماه عليها.. وخرج مسرعا من المطعم.. ثم غمته بيديها الاثنتين قائلة: اذهب الى جهنم وبأس المصير ثم نهضت من مقعدها وأخذت تجول بنظرها في أرجاء المطعم لتقرأ مشاعر الناس حول بطولتها ودحرها لذلك الرجل فتسمرت عيناها بعيني وقالت صارخة: انت؟ ابتسمت وقلت لها نعم.. قالت هل تسمحين لي بالجلوس؟ قلت تفضلي.. قالت: هل عرفتيني؟ قلت: كلا .. قالت ولكني أعرفك.. فسكت حتى لا أثير حفيظتها.. جلست قبالتي قائلة: هل تنتظرين احد ما؟

قلت : كلا .. وما ان تحركت قليلا لتعدل في جلستها إلا وتراها قد سقطت هي والكرسي ووقعت صارخة: ( نع من قعد حظي حتى يقعد مع هذا الكرسي؟) أما بالنسبة لي فقد خنقتني الضحكة ولم استطيع السيطرة على نفسي فقلت لها : اسم الله اسم الله اسم الله,, وعندما نهضت بصعوبة أخذت تصرخ على صاحب المطعم ان يأتي لها بكرسي أخر تجلس عليه... أتى صاحب المطعم وهو رجل محترم قال لها: فلم أر إلا والمرأة أمسكت بخناقه ورمته في الزاوية الأخرى وقد ستر الله ما كان أعظم.. ثم أخرجت تلفونها النقال وهددته بان تتصل بالبوليس 999 وتغلق مطعمه خلال 24 ساعة.. كل هذا حصل أمامي وكأني في عرض مسرحي متقن الصنع، هنا اقترب صاحب المطعم ومعه العامل الذي يعمل عنده في المطعم.. حاملا كرسي جديد معتذرا عن كل الذي حصل.. نظرت الي منتصرة قائلة: أرأيت؟ هكذا يجب ان يعامل الرجال ( دك الحديد أعلى الحديد يرن ) نظرت إليها مستغربة من كفاءتها في تصريف أمورها في الحياة.. قالت: لقد سمعت كل شيء دار بيني وبين زوجي قلت لها: نعم رأيت ولكن لم اعرف لحد الآن ما هي المشكلة..؟

قالت: المشكلة ذاك الذي كان يسمي نفسه زوجي يعيرني بأنني " سمينة " واكل مثلما ياكل الفيل هذا من جهة وصاحب المطعم يكالبني بثمن الكرسي والناس في الشارع وخاصة العرب " أخ من العرب " يسمعونني كلاما كبيرا احدهم يقول لصاحبه .. ( انظر انظر شلون دبه حميسة ) والأخر يقول ( كأنها بلدوزر ) والأخر يقول ( انتبه أمامك مدرعة ) بينما الأجانب حتى أنهم لا ينظرون الى أنهم محترمون..لا يتدخلون بشؤون غيرهم أجبتها: ليس من حق الناس انتقاد غيرهم بالمناسبة كم هو وزنك ؟ قالت: فقط 140 كلغم.. وطولك ؟ قالت فقط 150 سم.. قلت لها مجاملة ومشفقة وخائفة بنفس الوقت: أعتقد ان وزنك طبيعي وملائم لطولك وليس نشازا. قالت صدقيني حين كنت اصغر. وكان الكل ينادونني (الغزال الشارد) قولي لهؤلاء اللذين لا يملكون ذرة من الغيرة والناموس والشرف والأخلاق ومنهم زوجي هذا الذي سأطلقه بعد قليل.. قلت لها: حين تزوجك زوجك الم يرك؟ انت في لندن والكل يرى بعضه البعض الأخر؟ قالت: لقد راني: واهلك نفسه وحتى انه بكى على أقدامي الى ان وافقت على الزواج به وعندها " حصل علي " ولكن مالذي حصل بعد ذلك؟

قلت لها: حين تزوجك زوجك الم يرك؟ انت في لندن والكل يرى بعضه البعض الأخر؟

قالت: لقد راني: واهلك نفسه وحتى انه بكى على أقدامي الى ان وافقت على الزواج به وعندها " حصل علي " ولكن مالذي حصل بعد ذلك؟

أولا: هولا يملك أوراقا قانونية تتيح له البقاء في لندن.. فتزوجني حتى يحصل على الجنسية من خلالي وبالرغم من حاجته الى دائما يذكرني انه اصغر مني بعشر سنوات وإنني كبيرة في السن. ثانيا : رأى سيارتي واعتقد إنني سأعيشه وسأعطيه رواتبي التي احصل عليها هنا.. هذا وقد أغراني بان يترجم لي عندما تحصل لي مشاكل " وما أكثرها " مع الدوائر والبنوك لان لغتي الانكليزية جيدة جدا ولكن في بعض الأحيان تخونني هذه اللغة..

قلت لها: أكيد لأنها ليست لغتنا الأصلية لذلك الكل يلاقي صعوبة هنا..الى ان يتعودوا ويدرسوا ويفهموا لغة الشارع.. قالت: ماذا طلبت لتأكلي؟ " نفر كباب" هل تحبين ان اطلب لك شيئا؟ قالت: أكيد..لأني لم استمتع بطعامي مع هذا المجرم ..لا اعرف أين ذهب الأكل مع هذه المشاكل؟ هنا نادت صاحب المطعم الذي ضربته قبل قليل قائلة: هات لي نفر كباب.. قال لها: على حسابك أم على حساب المدام؟ "ويقصدني أنا" قالت له: على حساب المدام طبعا.. ولم هذا السؤال السخيف؟ أجابها بأدب قائلا: لان الرجل الذي كان معك لك يدفع القائمة.. فعليك الآن دفعها.. أتطالبني بقائمة الأكل الفاسد؟ وارتفع صوتها.. تريدون تسميم الناس؟

عندها أتى العامل بالكباب لي ولها فوضعه على المائدة، عندها قال صاحب المطعم لها: تفضلي كلي اعتبري القائمة وهذا الأكل كله على حسابي الخاص..

نظرت إليه ضاحكة وقالت له: أتريد ان تتزوجني انت أيضا.. أكيد رايت سيارتي الـ 2010 وطمعت بها... ضحك الرجل وأدار ظهره وذهب ليقف في مكانه المعتاد، قالت: ارايت؟

إنني عملت ألف حيلة وحيلة وألف تمثيلية حتى احصل على ( الدسيبل) وهؤلاء الرجال يريدون أية فرصة لاستغلال النساء الجميلات مثلي هكذا الرجال هنا.. يسرقونك وانت لا حول ولا قوة لك.. هدأت ورأيت نشوة النصر قد اجتاحتها.. ثم بدأت تأكل وتتكلم قالت: أين تسكنين؟

قلت لها: قريبا من هنا..

قالت: اعرف قريبا من هنا.. ما هو عنوانك؟ في الحقيقة لم أرد ان أعطيها عنواني أو رقم هاتفي إنهبلاء من الله ) قلت لها في الحقيقة هنا أنقذني صاحب المطعم قائلا: تحتاجون شيئا آخر؟ أكل شيء ( على ما يرام ؟ قالت له : من فضلك أريد حمص بطحينة وفوقه زيت زيتون كثير وصحن تبولة وصحن بابا غنوج  ولبن اربيل سراحية كبيرة.. نظر الي مبتسما: قال لها: حاضر، ثم وجه كلامه لي قائلا : يا ست فوزية.. اليوم بالذات وجبتك على حسابنا.. قلت له: شكرا .. كل هذا الأكل على المائدة أنا ادفعه.. بارك الله فيك.. قال: شكرا.. ثم ذهب.. استمرت بالأكل وقد ارتفع صوتها قالت: أنا أعرفك من خلال التلفزيون فليس من المعقول ألا تعرفينني!

قلت لها : هل انت مقدمة برامج تلفزيونية ؟

قالت: كلا.. هل انت ممثلة؟ قالت: كلا..هل انت مديرة للإذاعة والتلفزيون؟ قالت أنا أشهر من كل هؤلاء الذين ذكرتيهم..أنا الدكتورة قمر.. أشهر طبيبة نسائية في مستشفيات العراق.. سألتها: وهل تعملين هنا في مستشفيات لندن؟ قالت: كلا..

قلت وكم سنة انت في لندن؟

قالت: عشر سنوات

قلت: يا الله.. أنها فترة طويلة يا دكتورة قمر.. ورواتب الأطباء هنا في المستشفيات عالية جدا.. قالت: كلامك صحيح ولكن الحظ الأسود.. إنني درست الطب باللغة العربية.. لذلك فلغتي الانكليزية بالرغم من إنها ممتازة.. لكنني لم أفكر بمعادلة شهادتي حتى الآن..

قلت: خسارة كبرى ان تكون هذه القابلية وهذا النشاط جامد...

قلت ولكنك تعلمتي اللغة الانكليزية بالثانوية. وقالت صحيح ولكني نسيتها لأنني لا أمارسها.. قلت لم تدخلين معهد اللغة الانكليزية هنا ؟

قالت: فعلت ذلك فانا اذهب كل يوم الى الكولج. ولأنني طبيبة وشخصيتي قوية ومهمة .. فقد وضعوا لي مدرسة خاصة تعلمني وحدي فقط في الصف.. وقد أعطتني البارحة درسا يتكون من كلمتين فقط وطلبت مني حفظهما ولفظهما ثم كتابتهما في الحقيقة أنا ضعيفة بالكتابة وكذلك بالقراءة واللفظ .. ولكن هذه المرة أعجبت المدرسة بي وإنها من فرحتها بدأت تضحك وبشكل هستيري فضحكت معها.. قلت: وما كان درسك هذا؟

قالت : ( أيكر ونايكر ) قلت ايكر ونايكر!!

قالت: نعم .. قلت لم اسمع بمثل هاتين الكلمتين قالت: لانك ضعيفة بالانكليزية.. ففكرت بهاتين الكلمتين وانفجرت ضاحكة.. وبصوت عال قلت لها " إنهما ( ايدز ونايدز ) أي منهما “Either” ولكن أتعرفين معناها؟ ومن أين لي ان اعرف إذا كانت المعلمة قد خنقتها الضحكة  والفرحة وشهقت وخرجت راكضة من الصف؟ قلت لها معناها ( لا هذا ولا ذاك Neither ) نظرت الي مبهوتة وقالت: أيكر ونايكر معناها " أي منهما أو لا هذا ولا ذاك" ؟

قلت لها الفظيها ورائي حتى ولا تخطئي لفظتها " أيكر ونايكر" وبكل ثقة، نهضت واستأذنتني تريد الذهاب الى الحمام... هنا دخلت ثلاث نساء فلمحتهن الدكتورة قمر فقالت إحداهن " أم ستار" الحفافة..الحمدلله رأيناها زمن طويل ونحن نبحث عنها يا لها من مفاجأة..

في هذه الأثناء اقتربن مني وقالت أحداهن: وهذه المفاجأة الثانية فسلمن علي سألتهن ماهي المفاجأة الأولى قالت أحداهن .." أم ستار الحفافة " إنها كانت تأتينا الى البيوت ولكن من مدة طويلة لم تعد تأتي لننتظرها.. وما ان رأيتها اقتربت من مائدتي حتى أتين وسلمن عليها وقبلتها وقلن لها سوف لن نذهب من هنا إلا إذا أعطيتنا رقم تلفونك فكانت فرحة ومسرورة وأعطيتهم رقم هاتفها وجلست أمامي قائلة: أرأيت.. إنهن مراجعاتي اللواتي كن يتعالجن في عيادتي في العراق..إنهن لطيفات، قلت لها: هل ركزت على الكلمتين؟

قالت : نعم
قلت : قوليها : قالت " أيكر ونايكر " قلت لها صحيح " أيكر ونايكر ".

 

 

صلة الرحم

May 20, 2010

قبل أربعين عاما من الآن.. كان بيت أختها قرب بيتي.. وكانت علاقتي بأختها سلام بالإشارة باليد من وراء سياج حديقتنا. وان صادف وان طبخت شيئا لذيذا أرسله لها بواسطة البنت التي تعمل عندنا وهي كذلك.. هكذا هي العلاقة وذلك بسبب انشغالي الدائم بعملي.. كل ذلك يجعلك تنقطع العلاقات الاجتماعية الحلوة وجلسات الشاي والقيل والقال وكثرة السؤال.. والقشبة والكلام الذي يدور عمن يملك أكثر من غيره وعن المودة الضاربة في السوق وعن الفلفل والبهار الذي يضاف الى مثل هذه الأحاديث كل هذه مجتمعة تبدد كثيرا من الملل والضجر والحر الذي كان يعم عموم العراق. دار الزمان بالعراقيين دورته الكبرى...

وبدأت عملية الشتات والعراقي وكما تعرفون: لا يحب ان يفارق وطنه أولا ولا يحب  ان يفارق بيته أو عائلته أو عشيرته أو قبيلته ثانيا.. ويحب ان يستضيف القريب والغريب.. وبلفته عين وانتباهتها غير الله العراقيين من حال الى حال..

تشتت عوائل بكاملها، أنا في لندن والأخرى في الشرق الأوسط وهكذا أكثر العوائل تركوا بيوتهم وذكرياتهم ومناطقهم وشوارعهم وأحبابهم وعصفت بهم تلك الرياح العاتية.. ولفتهم أمواج البحر الصاخبة فرقتهم الى أقاصي القارات وابعد المدن.. فأصبح التلفون هو بطل العلاقات والنشيج والحنين والأنين والحسرة والشوق على ما فات وعلى كل ما هو آت آت..

رن جرس الهاتف في كوخي الصغير .. الصوت: ست سعاد؟

سعاد :نعم
الصوت : هل عرفتيني؟
سعاد : ولا صغرا بك .. كلا .

الصوت : يجب ان تعرفيني..
سعاد : لا يهم .. أعرفك أولا أعرفك.. المهم أهلا بك كونك عراقية والباقي غير مهم.

الصوت: يا عيني عليك.. أنا متوقعة نفس الأخلاق التي تكلمت فيها عنك أختي .

سعاد : ومن هي أختك من فضلك؟

الصوت : أيضا لا تعرفينها؟ يعاد : ( صمت)
الصوت: الو.. الو ..؟
سعاد: فعلا لا اعرفها.. إذا تكرمت قولي لي  من هي؟ حتى تسهلين علي المهمة.

الصوت: أختي أم فؤاد جيرانك في بغداد..

سعاد: أم فؤاد.. أم فؤاد.. ها ها ها.. والنعم كيف حالها ؟

الصوت: إنها بخير وتسلم عليك كثيرا. سعاد : وانت ما اسمك؟
الصوت : أم عماد
سعاد: مرحبا بأم عماد وأم فؤاد. . كيف الصحة والأحوال؟ بماذا استطيع ان أخدمك.

الصوت : لا شئ سوى أريد ان أراك ولو لدقائق معدودات فأنا مشتاقة لك.

سعاد : أين انت الآن؟
الصوت : أنا الآن في المحطة لقد وصلت توا من المانيا قادمة من لندن.. ومعي فقط رقم تلفونك.. ولكني لا اعرف العنوان.

سعاد : بسيطة .. هذا هو عنواني اكتبيه.. ها؟ هل كتبته؟ قالت نعم. شكرا.
وقلت لها : أعط العنوان لصاحب التاكسي. قالت: أي تكسي؟ أي بطيخ.. سأركب الباص وأتيك .

وبعد ساعة ونصف الساعة طرقت باب كوخي.. فتحت الباب ورأيت امرأة تنهال علي تقبيلا وتبريكا وتنتيلا.. نظرت إليها رايتها متعبة وهي تجر خلفها شنطة كبيرة ذكرتني حينها بشنط المصريين عندما كانوا يأتون للعمل في العراق.. قلت مع نفسي يا سبحان الله تبقى الشعوب يؤثر بعضها في البعض الأخر، اثروا علينا بأفلامهم والتي كانت نهاية كل فلم مصري زواج.. واثروا علينا في كبر حجم شنطهم..

أهلا  تفضلي مدام الحمدلله على السلامة قالت شكرا.. أين الحمام قلت: هنا تفضلي.. رايتها قد سحبت شنطتها الكبيرة ووضعتها في الحمام ودخلت المطبخ قلت : تفضلي هنا بالصالة.. أفضل المطبخ..

ثم سألتني كيف حالك؟ قلت: بخير.. ظلت نظراتها ثابتة بوجهي حتى أحرجت ثم استدركت قائلة: لم أخبرك ان موعد غدائي هو الساعة الثانية ظهرا والعشاء في العاشرة والفطور في التاسعة صباحا..

قلت تفضلي اشربي عصير البرتقال هذا قالت: وهل فيه سكر كثير؟ قلت: اعتيادي.. ولماذا؟ قالت: يجب ان تعرفي إنني لا أحبذ السكر في المأكولات والمشروبات قلت خير إنشاء الله...

قالت: قد تسالين لماذا أتيت لزيارتك؟ ولكن قبل ذلك دعيني اريك جدولي لهذه السفرة..

قالت : قد تسالين لماذا أتيت لزيارتك؟
ولكن قبل ذلك دعيني اريك جدولي لهذه السفرة .. ثم أخرجت ورقة منظمة كانت قد رتبتها حسب التواريخ والأسماء والعناوين أيضا وفتحتها أمامي ثم قالت: سأبقى عندك أربعة أيام وعند صديقتي التي لم أرها منذ زمن طويل جدا أيضا أربعة أيام أيضا والتي يبعد بيتها من هنا حوالي 60 ميلا.

قلت: وكيف ستصلين وتقطعين هذه المسافة البعيدة..
ضحكت منتصرة: ابنتها ستأتي علي بسيارتها لتأخذني وفي بيت صديقتي الأخرى ثلاثة أيام. وبعد ذلك ازور بيت عمي هنا في لندن وأبقى عندهم يوم واحدا فقط لأنهم قريبون جدا على المحطة.. ثم احمل نفسي واذهب الى المانيا وسأبقى على اتصال دائم معك وعندما آتي الى  لندن سيكون مقري هنا.. يضاف الى ذلك وأزيدك علما إنني من الآن احجز بيتك لمشاهدة اولمبيات العالم الذي سيقام في لندن عام 2012 من الآن هل سمعتي؟ سكت وأنا انظر إليها ولم يمض على معرفتي بها سوى نصف ساعة..

قلت: أهلا ومرحبا.. كل هذا كان سهلا في البداية.. حاولت ان أتقبل منها أي شئ أولا لأنها عراقية وثانيا لأنها ضيفتي.. وثالثا لأنها أخت جيراني، ظللت حائرة والوقت مساء ماذا أقدم لها من الأكل كعشاء؟

وأنا في الحقيقة لم أكن مهيأة لذلك.. طبخت الذي طبخته.. ثم نظرت الى وقالت: يجب ان تعرفي إنني لا أكل أكلا مقليا فالدهون تضر جسم الإنسان..

ضحكت عندها ضحكة عالية.

وقلت: ولكنك لست بنحيفة ولا يدل ذلك على انك لا تتناولين الدهون.. قالت مع ذلك فلنجرب.. جربت صاحبتي الأكل ولم تبق أي شيء في الصحن..(ألف عافية) ثم عملت الشاي وشربنا سوية فكانت تأكل وتتكلم .. تشرب الشاي وتتكلم.. تجلس وتتكلم .. تشاهد التلفزيون وتتكلم.. وتتكلم.. تتكلم .. تتكلم.. وأنا ساهمة ساكتة استمع إليها فقط.. مر يوم كامل شعرت إنني أعيش في عالم غير العالم الحالي.. أتى صباح اليوم التالي فقالت: لم تسأليني لم أتيت لزيارتك؟

قلت: لانك أخت جارتي في بغداد.. ضحكت ضحكة عالية.

وقالت: لم تحزري.. الحجية أمرت بذلك!!!

قلت ومن هي الحجية؟ قالت: الحجية هي التي نصحتني بذلك.. قلت بماذا؟

قالت: بزيارة الغرباء والحجية قالت هنالك ما يسمى (بصلة الرحم بالغرباء) وهي التي قسمت الأيام التي سأبقى فيها عندك وعند صديقاتي..

(قلت مع نفسي أكيد ان هذه الحجية أرادت التخلص منك فأرسلتك لكي ترتاح ولو قليلا وتتشفى بالآخرين ).

قلت لها: رخم الله والديها (صلة رحم الغرباء) يالها من حجية رائعة. بعد لحظات رايت ضيفتي تتأوه.. خفت.. قلت: ما الذي حصل؟

قالت: رقبتي..

قلت لها ما بها؟ لقد عمل لي الطبيب الألماني عملية في رقبتي ولم يضبطها فأصبحت فيها عقدة لحمية كبيرة وحين راجعته.

قال: كل ذلك حصل بسببك تتكلمين كثيرا وحتى بعد وضع المخدر.. تتكلمين وقد أثرت على أعصابي فلم اعد اعرف ما اعمل.. تصوري يقول لي ذلك هل له حق في ذلك؟

قلت: أكيد انه يريد مصلحتك.. ولكن يبدو لي انك تملكين طاقة غير اعتيادية على الخوض في جميع المواضيع.. تعرفين كل شيء وتحبين التكلم في كل شيء.. مضت 56 ساعة لم يتوقف لسانها لحظة واحدة وحينها ثبت المثل القائل ان المرأة عندما تموت آخر عضو يتوقف فيها هو لسانها لحد الآن أنا جالسة أمامها وهي تتكلم فيأخذني النعاس فتقوم من مكانها لتهز راسي ان استيقظ.

اعتقد ان كل الأوكسجين الذي كان يصل الى راسي قد تبخر وانتهى وأصبحت في عداد الذين لا يستطيعون التفكير باي شيء (صلة رحم الغرباء).

قلت لها: وإذا كان هذا الغريب لا يريد هذه الصلة فكيف ذلك؟

قالت وبإصرار: بالقوة يجب ان يريدها.. يجب ان نتواصل مع الغرباء.. هكذا قالت الحجية.

قلت مع نفسي: الآن أدركت كيف يكون الآنسان مجرما أو قاتلا.. لو كانت الحجية الآن جالسة أمامي لخنقتها مثلما خنق عطيل دزدمونة.. وألف ألف رحمة على روح الذين خلفوا هذه الحجية تلك... أي حجية هذه؟

روح الذين خلفوا هذه الحجية تلك.. أي حجية هذه؟

 

 

بـــوتــــــان

May 13, 2010

 

كلما تضيق بي الدنيا وأمل من حياتي وينضب الخيال فلم اعد استطيع الكتابة .. اقطع تذكرة واذهب الى المانيا حيث يقيم ولدي وعائلته.

ومن عادتي إني أحب واغرم بأصغر حفيد لي فإذا تجاوز هذع الحفيد أو هذه الحفيدة الأربع سنوات لم اعد اهتم به كثيرا.. والسبب في ذلك اكتسابه للعادات الجديدة وتلوثه بسلوكيات الحياة المتعددة التي تفقده براءته..

المهم عندما اضجر من واقعي أذهب لأرى"لولو" أسمها "لبنى" إنها طفلة ذكية وحساسة تضاف الى ذلك ان لها شعرا فاحما اسود.. يلفت أنظار جميع من يرونها في السوق أو في الشارع.. لولو هي سلوتي الوحيدة في الوقت الحاضر بعد ان كان أخيها "فواز" وأختها "هيا" مفضلين عندي.

أما في الوقت الحاضر فهم ينظرون الى حبي الى "لولو" بعين الحسد والغيرة .. سفري هذه كان أمدها أسبوعا واحدا، قررت مع نفسي ان لا اخبر أحدا بذلك وأهمهم ابنتي الكبرى في عمان وصديقتي المفضلة في لندن والتي تهتم بشؤوني وتزورني وتتفقدني وكذلك توصيات ابنتي الكبرى لصديقتي وصديقتها بنفس الوقت ان تعتني بي باستمرار.. أما ابنتي فحين لم تكن موجودة قربي فإنها تستعمل الهاتف وتسال عني وماذا اعمل وماذا أكلت إنها "كالريمونت كنترول" تبرمجني وتخاف علي جدا كل ذلك يكون عبر الهاتف.. وآه من هذا الهاتف وآه من هذا الهاتف، هذه الآلة التي تقرب المسافات وتختصر الرحلات وتنقل الأخبار والأفراح والأحزان.. قلت مع نفسي اذهب لأرى "لولو" وأبقى هناك أسبوع واحد فقط ارجع بعدها علني استعيد جزء من قابليتي على مواصلة العيش.. سوف لن اخبر أحدا بذلك، أسبوع واحد فقط "ولا من شاف ولا من درى" ذهبت فقط بشنطة يدوية.. وصلت "كولون بون" ومدينة كولون هذه التي يقع فيها المطار وهي المدينة المشهورة بإنتاج "الكولونيا" العطر الذي يضعه الرجال بعد خلاقة أذقانهم..استقبلوني كالعادة ومعهم "لولو" وسارت بنا السيارة باتجاه بيتهم فقالت زوجة ابني ”مها“ خالتي العزيزة قررنا اليوم ان لا نطبخ شيئا وان نأخذك الى مكان بيع البيتزا لنستضيفك فما رائيك؟ استغربت جدا من كلامها وقلت "امنين طلعت عين الشمس؟" ما هذه الالتفاتة الكريمة؟

”مها“ انت تدعوني على  بيتزا؟ قالت نعم يا خالتي.. انت لست فقط أم زوجي.. انت صديقتي التي افتخر بها أمام صديقاتي.

"قلت مع نفسي" أسلوب جديد.. سبحان مغير الأحوال من حال الى حال، قلت لها: شكرا مقدما.. يبدو انك قد سطوت على بنك ألماني حتى تدعوني على البيتزا .. ضحكت وقالت: يا خالتي العزيزة أنا لا أنسى هداياك لي ولزوجي ولأطفالي ولا أنسى مراعاتك لنا.. ولا أنسى ولا أنسى ولا أنسى..

قلت لها: هذا واجب الأمهات نحو أبنائهم.. عندنا في العراق تبلغ الأم "100 مائة عام" وتظل تفكر في كيفية مساعدة أبنائها وليس العكس.. فدعوتك لي هذا اليوم على البيتزا كسر لجميع القواعد المرعبة.." وللملاحظة.. فان زوجة ابني طباخة ماهرة ومدبرة وغوف هذا وذاك فهي خريجة إدارة واقتصاد "والحبل على الجرار" أكلها طيب ولذيذ.. بحيث تشبعك وتتمنى لو كانت طبخت كمية اكبر حتى اخذ حريتي في الأكل دائما أقول لها أكلك طيب ولذيذ.. ماذا لو زيدتي الكمية؟
ترد قائلة: هذه نعمة الله.. يجب ان لا يرمى المتبقي في الازبال. خالة.. الأطفال في إفريقيا يبحثون في التربة لكي يعثروا على شئ يأكلونه ونحن نبذر ونبذر ونبذر.. هذا حرام. أعطتني هذه المحاضرة..عندها وصلنا الى محل بيع البيتزا .. فنزلت راكضة وأنا وزوجها والثلاثة أطفال بما فيهم "لولو" جالسون في السيارة وبعد دقائق أتت مفتخرة مبتسمة تحمل بين يديها علبتين كبيرتين من البيتزا فرحة وكأنها تحمل كنزا بيدها.. صعدت الى السيارة.. وذهبنا باتجاه البيت..

قالت: أهلا ومرحبا.. هيا هيا لنأكلها ما دامت حارة..

قلت لهم: لقد أتيت لأبقى أسبوعا واحدا فقط. أرجو ان لا يعلم احد بذلك لا أصدقائكم ولا أصدقائي.. فقط أتيت لارتاح.. وان احد يتصل بكم لا تخبروه بمجيئي.. قالوا نعم.. أكلنا البيتزا وذهبت الى الغرفة التي أعدت لي في كل مرة وهي غرفة فواز.. فقلت لهم: أنا ذاهبة لارتاح قليلا..

هنا دق جرس التلفون، رفعت "مها" السماعة.. الو؟ أهلا أهلا هند؟ من؟ أمك؟ خالة؟ ها..ها.. إنها ليست هنا...!!! هند: أعطيني إياها.. مها: ولكـن... هند: أعطيني إياها..

قلت لك.. أعطتني مها السماعة، الو.. هند؟

قالت نعم أنا هند.. مالذي فعلته يا أمي وتفعلينه بنا؟

قلت لك.. أعطتني مها السماعة، الو.. هند؟
قالت نعم أنا هند.. مالذي فعلته يا أمي وتفعلينه بنا؟ هل نحن أعداؤك؟

ما هذا الاستصغار والاستهانة بنا؟ ... بي وبصديقتك التي تعتني بك دائما..

وتساعدك وتقضي أكثر حاجاتك؟

كنت أحاول ان أجيبها ما الذي فعلته أنا ؟

لكنها لم تعطيني فرصة.. ظلت مسترسلة مثل مقدمي البرامج الذين يستضيفون الضيف في التلفزيون ويسألونه سؤالا فيه عشرون فرعا وكل فرع من السؤال يحتوي على عشرة فروع ثم يعلقون على السؤال ويجيبون عليه أيضا، ثم بعد ذلك يسالون الضيف ما رائيك بذلك؟

فيبقى الضيف محبطا لأن مقدم البرنامج هذا اخذ حقه في الإجابة  عن اختصاصه هو الذي سال وهو الذي أجاب.. بقيت ساكتة لا استطيع الجواب.. أنا لم اقل لأحد إنني مسافرة!! من أين عرفت  ابنتي بذلك .. يا ألطاف الله .. ما الذي يحصل..؟

الكل كان يصغي الى المكالمة .. ابني وزوجته والأطفال وخاصة " لولو" وهنا أغلقت هند سماعة التلفون ..

ضحك ابني وقال .. أنا استغرب؟ كل الذي اعرفه.. ان هند ذكية جدا .. لماذا تتفاجأ يوميا بما تفعلينه؟ استغرب إنها لحد الآن في حالة الاكتئاب اكتشافك انت .. المفروض إنها تعرفك أكثر منا..

نظرت الى التلفون تارة والى ابني تارة أخرى ثم أحنيت راسي وسكت.. بعدها رحت في نوم عميق مريح وكأنني كنت في الجنة.. فأحسست بكف لحمية صغيرة سمينة تداعب وجهي وشعري فتحت عيني انها"لولو" !!!

قلت : لولو ماذا تريدين؟

قالت لنشرب الشاي.. ثم ركضت قبلي..

حيث أعدت امها الشاي في الصالة ثم لفت نظري "الكليجة" العراقية والتي يسمونها في بلاد الشام "المعمول"  والجبن والخضرة والخبز والتركي اللذيذ.. وضعت جميع هذه العدة على الطاولة وقد جلسنا جميعا.. وجلست "لولو" في الكرسي المجاور لي وما ان بدأنا بشرب شاي العصر إلا ودق جرس الهاتف.. نهضت مها ورفعت  سماعة التلفون.. نعم؟ .. قال الصوت : كيف حالك أيتها الصادقة؟ سمعت ضحكة عالية من مها قالت صدقيني يا هند.. لست أنا وإنما خالة هي التي طلبت ذلك..

قالت هند أعطيني إياها ..

قلت : نعم؟

قالت : ماما ؟ أتعتقدين ان المحيطين بك أغبياء حتى تفعلي فعلتك هذه ؟

قلت : ممكن أسالك ..؟ ما هي الجريمة التي اقترفتها حتى تغضبين علي كل هذا الغضب؟ ثم انك لا تفسحين لي مجالا للدفاع عن نفسي..

قالت : لك كل المجال فقط أجبيني بصدق..

قلت لها "بوتان "

قالت ماذا ؟

قلت : بوتان.. هي ابعد مدينة تقع على كوكبنا الارضي هذا .. أي ان بوتان ابعد مدينة في الكون وهي تقع بين الصين والهند صدقيني يا هند .. حتى لو ذهبت الى بوتان فسوف يعرف جميع الناس إنني هناك في بوتان ..

قالت : وما هو رباط الكلام هذا بدفاعك عن نفسك؟

قلت هكذا خلق الله العراقيين تلحقهم المصائب والغرائب في ابعد أصقاع الأرض .. ولكن لا ألومك على إلحاحك هذا.. وان دل هذا على شئ فانه يدل على حبك الكثير لي أولا.. وعن دفاعك عن صديقتنا ثانيا...وعن بلاغتك في ترتيب الكلام ثالثا.. وكوني واثقة يا هند.. إذا كان هنالك للعالم حدود.. فحبي لك ليس له حدود..

ضحكت هند وقالت : تجدين استعمال الجمل اللطيفة..

قلت لها بقى لي سؤال واحد فقط :

قالت اسألي..

قلت كيف عرفتم إنني مسافرة ؟

قالت : اخو صديقتك كان يوصل زوجته الى مطار هيرثو وهناك وعند الوزن رأوك وكانت زوجته على نفس طائرتك.. وحين رجع الى البيت اخبر أخته بذلك.. فاستشاطت غضبا واتصلت بي وهي منزعجة جدا وذلك خوفا عليك لأنها تعتبرك موضع ثقتها.. هذا كل الذي حصل.. سمعت كلامها هذا واعتبرت نفسي محظوظة بالرغم من كل "العركات" فان هؤلاء الناس يحبونني..

شكرا لله لن تشعر ان الجميع يفكرون بك ويحبونك في زمن امتصت التكنولوجيا فيه حضارة الإنسان وعاطفته..

 

 

 

”أم قيــــــس“

April 23, 2010 

 
كنا كهيئة تدريسية للتدريسيين في جامعة اليرموك في اربد، نسكن في مجمعات سكنية كبيرة،مرتبة ومريحة داخل الجامعة مما يسهل علينا عدم استعمال سيارة للوصول الى قاعة المحاضرات لو كنا خارج الجامعة، رن جرس الهاتف في شقتي الصغيرة..الو..نعم؟

اتصل بي احد حراس البوابة الشرقية يسألون عنك، فهل اسمح لهم بالوصول اليك؟ قلت: أعطيني احدهم لأتكلم معه:الو؟

نعم تتكلم..أهلا دكتورة إيمان..أهلا وسهلا، تفضلوا من فضلك أعطيني الحارس..الو..أبو عبدالله من فضلك إذا تسمح دع احد يوصلهم الى شقتي وشكرا مقدما. خلوا جميعا وكانوا وفدا طبيا كبيرا أتى من العراق لغرض حضور مؤتمر طبي..وحين سمعوا بوجودي هنا قرروا المجيء الى وكان عددهم عشرة أشخاص ستة من النساء والباقي رجال ومعهم دليل أردني"مرافق"رحبت بهم كثيرا وفرحت وقلت لهم:اليوم تتغدون معي..

مانعوا في البداية وتشكروا ولكن في النهاية استأنسوا بالموضوع. فقد دخلت المطبخ وعملت لهم دجاجا وبطاطا وكل ما هو سريع التحضير.وأرغفة من الخبز الأردني اللذيذ والذي يسمى"المشروح" أكلوا جميعا وأحبوا الأكلة السريعة وبعدها الشاي.نحن في الصالة نتجاذب أطراف الحديث رن جرس الهاتف التقليدي لأنني لم أكن امتلك تلفون موبايل حتى اخرج من الصالة فاستعملت التلفون الثابت في الصالة..الو؟ نعم..أوه أتمنى ذلك..نعم نعم عندي جماعة من العراق وقد يحبون ذلك دعيني أسألهم: أم قيس؟

أوه يا الهي إنها رائعة..في حياتي لم أتعرف على من يفوقها جمالا ورقة وحكمة..يا إلهي ذلك ن خبر مفرح. سأسألهم ان كانوا يحبون المجيء معنا..على الأقل ليتعرفوا على"أم قيس الرائعة" قال احد الدكاترة متحمسا..ومن هي أم قيس هذه؟ قلت له: إذا أعجبكم المجيء معنا فسوف تتعرفون عليها..إنها رقة في الجمال..تحتضنك وانت تنظر إليها..فاتسعت عينا الدكتور وقال رافعا يده الى السماء..تحتضنني؟ الله كم أنا مشتاق ان تحتضنني أم قيس هذه..أعطيني نصف عمري..وأتبرع به أمام احتضانها لي قال:متى تذهب إليها؟ قلت:غدا بعون الله أم قيس تستقبلنا غدا فدارها مفتوحة 24 ساعة..

قال: يا لها من امرأة متحررة..ليبرالية..كم أنا متشوق لرؤيتها واحتضانها واخذ يصرخ بأعلى صوته: يا الهي متى سيأتي الغد لكي تكتحل عيناي برؤيتها؟ ثم نظر الى الجماعة فاستدرك قائلا: وتكتحل أعينكم كذلك..ضحك الجميع.. بعدها  قدمت لهم الفاكهة والمكسرات..كالفستق واللوز والجوز ومعها "الكليجة العراقية" "المعمول"والتي لا يخلو بيتي منها،إنها تسد جانبا من تقديم الأكل وخاصة مع الشاي..قلت مع نفسي لأقدم لهم القهوة وهذه هي نهاية المطاف لجلوسهم فقد تعبت..شربوا القهوة وسهل الله خروجهم على أمل اللقاء بهم غدا للذهاب بهم" الى أم قيس الحبيبة "قال صاحبنا الدكتور..ولكن عددنا كبير..فهل سيارتك تكفينا جميعا؟ قلت:لا تقلق يا دكتور..عندنا باص كبير وستأتي الى الفندق لنأخذكم معنا..لا تهتم لذلك..ضحك وقال: وهل هناك متسع من المكان لأجلس وحدي؟ قلت: بالتأكيد..ولكن لماذا؟ قال:لغرض في نفسي..قلت وما هو؟ قال: لأنني سأرتدي أغلى بدله عندي وأخاف عليها ان ”تتجعلك“أو كما نقول في اللهجة العراقيةتتعقج" قلت: سأفرد لك مكانا مريحا..لا تهتم..شكروني جميعا وغادروا على أمل اللقاء بهم غدا...أتى الغد ونزلوا جميعا من الفندق..ولكن الدكتور لم يكن بينهم..سالت واين الدكتور؟
ضحكوا جميعا وقالوا:انه قادم لا محال..وما ان نزل من سلم الفندق ورأيناه جميعا إلا وانفجرنا من الضحك..ما هذا يا دكتور؟ ما هذه الأناقة؟ الرباط الأحمر المنقط والسترة البيضاء والبنطلون الأبيض والقميص الزهري الفاتح والحذاء الأمريكي الأبيض وتسريحة الشعر المختلفة..الله..الله قمة الأناقة..وقف كعارض الأزياء..بباب الفندق وقال مشيرا لنفس: ماذا تريد"أم قيس أكثر من هذا؟

"هل رأت في حياتها رجلا يشبهني؟

لقد أحببتها قبل ان أراها... صعد الجميع الى الباص..وبقى الدكتور واقفا ينتظر..قلت له: تفضل يا دكتور هذا هو الكرسي المخصص لك..شكرني وقال:حسنا فعلت،إنني أخاف على ملابسي..على الأقل تراني أم قيس بهذا الشكل..وبعدها فيحل الطوفان..يا الهي.. يا الهي سارت بنا السيارة حوالي العشرين كلم..وهذه مسافة بعيدة نوعا ما.. فالتفت الدكتور الي سائلا يبدوان بيت" أم قيس" بعيد جدا عن اربد؟

قلت نعم يا دكتور..سمعته يتمتم مع نفسه:متى أراك يا أم قيس لأقبلك واحتضنك واشم رائحتك الطيبة واسعد بمشاهدة جمالك، علك تخففين عني"البلوة والمصيبة التي تركتها في العراق" إنها لا تبتسم إلا في الأعياد الوطنية..والمناسبات الرسمية..متى..متى سأصلك يا أم قيس؟

التفت الى مرة أخرى فعلا ان دارها بعيد..
قلت له لا تقلق سنصل بعد قليل بعون الله، فرح كثيرا..
ندها أعلن سائق الباص بالميكرفون قائلا:الحمدلله على السلامة..
وصلنا أم قيس..
نزل الجميع وهم في حيرة من أمرهم وقال الدكتور: يبدو ان أم قيس صاحبة ذوق رفيع حين تسكن هنا في هذا المكان الهادئ الجميل الذي يزخر بعبق التاريخ القديم..
ثم سار بجانبي قائلا: كم يبعد بيتها من هنا؟
قلت مؤشرة له بيدي: ذاك هو بيتها..
ابتسم ممتنا لي قائلا: وهل تعتقدين أنها ستعجب بي وتحبني؟
قلت: أكيد يا دكتور..
نحن أصدقاءك ونحبك فكيف "أم قيس" إنها رائعة..

قال وهو يفرك بيديه:..

لقد شوقتني إليها متى سنراها؟

وكان الجميع يسير وهو مستمع بهذه المناظر الأثرية ومعجب بتلك المنحوتات والتماثيل الضخمة. وقفنا فجأة قرب توابيت صخرية رمادية اللون كبيرة..

فتجمع الوفد بكامله بما فيهم صاحبنا الدكتور الذي كان يأمل بلقاء" أم قيس " لقاء عاطفيا حادا!!

قلت لهم: هذه هي " أم قيس " ..

واصل الاسم " جدارا "
فقالت صاحبتي وما معنى المكتوب هنا؟

على هذه التوابيت..

قلت لها مكتوب عليها ما يلي:
أيها المار من هنا
كما انت الآن كنت أنا
وكما أنا الآن ستكون انت
فتمتع بالحياة لانك فان


الشاعر "أرابيوس"..

غضب الدكتور غضبا شديدا وقطب جبينه.

وقال: إذن كانت منك خدعة

قلت: كلا والله لم تكن خدعة إنها نزهة ومتعة.. أتيحت لك فرصة لم تكن تحلم بها وستخرج بحكمة عظيمة. وإذا أردت ان اشرح لك أكثر فسأشرح.

فصاح الجميع: اشرحي من فضلك

قلت: على بعد ثلاثين كم من اربد شمال الأردن توجد هذه الآثار الرومانية وأهمهما مسرحين بنيا من حجر البازلت لأسود..

وهذه المنطقة ترتفع بـ( 378 م) عن مستوى سطح البحر وهذا المدرج الذي ترونه يطل على بحيرة طبريا في فلسطين وهضبة الجولان ونهر اليرموك وكما ترون المنطقة مستثمرة سياحيا.

والأعجب من ذلك ان فيها محلات وشوارع مبلطة من الزمن الروماني.

فماذا تقول بذلك يا دكتور؟

أما زلت تحافظ على سلامة ملابسك؟
نظر الي طويلا ونظر الى جماعته..

ثم انفجر ضاحكا واخذ يصرخ وينادي:

 "أم قيس" - "أم قيس" - "أم قيس" ..

احبك يا أم قيس فلتردد الصخور صدى صوتي مناديا:

 بحبك يا أم قيس.

 

 

 

 

استر
”على ما واجهت“

April 15, 2010

الذي يسافر كثيرا يتعلم كثيرا، تخرجت من معهد فني بدرجة دبلوم فنون كان ذلك قبل 40 عاما بالضبط. فقد أتيحت لنا الفرصة ونحن في بغداد لكي نتعاقد وبشكل رسمي مع المملكة العربية السعودية  للتدريس في مدارسها، كان حظنا الأوفر أنا وزوجي حيث هو يدرس في المعاهد الزراعية وأنا عينت وكيلة في معهد المعلمات آنذاك مع تدريس 8 حصص زخرفة إسلامية / وكان نصيب تعيننا المنطقة الشرقية والتي تضم تحت لوائها الهفوف والإحساء والخبر والدمام فنحن كنا في منطقة المزروعية في الإحساء. والإحساء هذه منطقة زراعية مشهورة بزراعة النخيل الجيد وباقي الخضر والفواكه الخالية من الكيماويات الزراعية، كان عقدنا لمدة خمس سنوات كانت أجمل سنوات عمرنا حب الناس الطيبون والذين استقبلونا بكل حب واحترام وحيث الكرم الذي كنا نسمع عنه ولكننا رأيناه بأفضل صورة عند هؤلاء الناس، عندي طفلين فكان الأتوبيس يأتي لأخذهما الى مدارسهم كل صباح، حبث كان السائق الصومالي الكبير السن (أبو محمد) يسوق الأتوبيس فحين كنت أوصيه بأولادي كان يبتسم ويقول لي: ابشري ان شاء الله..ان شاء الله. كلمات خيرة ولطيفة تخرج من فم الناس الخيرين البسطاء. بعدها يأتي الباص الخاص بنقل المدرسات الى المعهد، وكلنا نشاط وسرور وإخلاص لنستقبل يوما جديدا نمنح فيه تجربتنا لأناس يستحقون كل الجهود المبذولة في سبيلهم. كانت الرواتب في ذلك الوقت رواتب مجزية فيها سعة في الصرف نأكل أحسن أنواع الأكل ونرتدي أجمل الملابس ونذهب الى السوق ونشتري ذهبا وفضة ومع ذلك نوفر حيث يبقى من الراتب هذا الشيء الكثير، فكنا نحمد الله ونشكره على هذه النعمة الفضيلة التي نحن فيها وبالإضافة لهذه النعم هنالك نعمة أخرى وهي حب الناس وحب واحترام الطالبات لمدرساتهن ومديرتهن. فكانت عوائل كريمة ومعروفة ترسل بناتها لكي يتخرجن ويقدن الحركة التربوية في هذا البلد المبارك.. أمثال بيت الشيخ عبد اللطيف العطاس المسؤول عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبيت الكعبي ودار القصيبي والمسفر والصويغ والجغيمان والعرفج والسويلم وغيرهم عوائل كريمة.ما أزال أتواصل مع البعض منهم، إنهم رمز للوفاء والإخلاص، وما ان يحل شهر رمضان الكريم إلا وترى الجيران وأهالي الطالبات وحتى الأناس الذين لا نعرفهم يأتون قبل الفطور بساعة واحدة، فيرن جرس بيتنا، وحين يفتح زوجي الباب نرى الرجل بملابسه البيضاء النظيفة يحمل بيده صحنا كبيرا من الهريسة السعودية والتي لا يمكنني نسيان طعمها  اللذيذ حتى الآن + كمية كبيرة من لقمة القاضي) + كمية أخرى من الخضرة كالطماطم والخيار+ أشياء أخرى لا استطيع عدها.وما ان انقل هذه المكارم الى داخل البيت إلا ويدق الجرس مرة أخرى.. فيأتي أناس آخرون يحملون بأيديهم ما لذ وطاب، وما ان انقل هذه أيضا الى الداخل إلا ويدق الجرس مرة أخرى، عندها أظل واقفة أمام كل تلك الأشياء، إنها قمة في الكرم، ماذا اعمل بكل هذا ونحن أنا وزوجي وطفلين فقط؟ عندها يعمل عقلي المدبر فأبدأ باستثمارها وطبخ الخضروات منها وهكذا الى ان ينقضي شهر رمضان الكريم ترى ان بيتنا قد أصبح سوقا كبيرة لمختلف أنواع الخير الموجود عند هؤلاء الناس.وما عدا ذلك كانوا يتسابقون لدعوة كل الغرباء القادمين للعمل في التدريس عندهم وإكرامهم واحترامهم لا لشيء وإنما لكرم في ذاتهم وطبيعة وتقدير ومحبة للآخرين.أما طالباتي فكنت أحبهن حبا جما وهن كذلك، فكن بين فترة وأخرى تتصل بي أمهاتهن ليسعدنني على وجبة غداء أو على شرب الشاهي الطيب وما يلحقه من مشهيات فكنت ألبي دعوتهن لي واذهب، ادخل تلك الجلسة العربية الفاخرة واشم أول ما أشم تلك الروائح الزكية من البخور وعود الطيب وغيرها من تلك العادات العربية الأصلية، نجلس ونأكل ما لذ وطاب ونتحدث. واختلاف الإنسان والأوطان يبرز كثيرا من العادات والتقاليد فيتم التعرف على عادات وسلوك الشعوب الأخرى.

وحين كنت في غمرة من السعادة بين هؤلاء الناس والمدعوين من الآخرين الذين دعوهم على شرف مجيء عندهم وتناولنا لمختلف المواضيع الثقافية منها والاجتماعية، انظر الى ساعتي اليدوية فأتهيأ لمغادرتهم وبعد الشكر لهم ولكرمهم وبعد كل ما قدموه لي يقف الكل فاسلم عليهن واقبلهن واحدة بعد أخرى الى هنا والأمر طبيعي جدا، وبعد ان انتهيت مراسيم شكري وامتناني، تقدمت جدتهم الكبيرة بجلال قدرها وشخصيتها المحترمة هامسة في أذني (استري على ما واجهتي يا ابنتي ثم قالت أي كلام وأي حديث وأي اسم كان قد ذكر هو(أمانة في رقبتك) نظرن إليها وقبلتها وقلت: ان شاء الله سأكون عند حسن ظنك أيتها السيدة الفاضلة.
خرجت وأنا في طريقي فكرت مع نفسي لهذا السبب ان هؤلاء الناس يتقون الله في أنفسهم وفي الآخرين أصبحت هذه (عبرة اعتبر بها ما دمت حية ونهج أسير عليه). (استروا على ما واجهتم يستر الله عليكم) حينها تذكرت قول الشاعر حين يقول: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس السن.

 

 

 

 

ملاعق الفضة

March 27, 2010

دائما وأبدا انظر الى الآخرين بعين الاحترام... هكذا علمني والدي احترام الآخرين احترم لنفسك ولذاتك ... وحتى هذا اليوم تلومني ابنتي الكبرى وتقول لي: ماذا افعل  بك يا ماما...علمتينا ان نحترم بدون حدود ..  وان نحب الآخرين ويجب ان نضحي من اجلهم وبدون حدود..  في الوقت الذي ان بعضهم لا يستحق ذلك ... إذ يعتبروا هذا السلوك هو ضعف أمامهم... كثير من الناس يا أمي حين تسلكين معهم مثل هذا السلوك يستنفرون.. لأنهم غير متعودين على ذلك... ارجع وأقول لها: نحن الأفضل وثقي ان الله دائما مع الطيبين، حكايتي:

عرفتني عليها صديقة لي... حيث أتت بها الى بيتنا في حي الجامعة وقالت: إنها إحدى صديقاتي اللواتي يتعاملن بالفن أيضا...رحبت بهن وقلت: وأي نوع من الفن؟ قالت: السيراميك، ضحكت مرحبا بالفن التشكيلي حيث ان صديقتي الأصلية بتول فنانة تشكيلية والجديدة سيراميك وحضرتي مسرح ودراما وتمثيل وإخراج وما يلحقهما من مقتضيات الفن الدرامي.. قلت بدوري كل الفنون تحتاج لبعضها: تفضلا .. أهلا ومرحبا... أدخلتها الى جلستي العربية الكبيرة جدا والتي يبلغ طولها 15 مترا وعرضها 5 أمتار هذه الجلسة مريحة جدا للنفوس المتعبة.. فرحت جدا بمجيئهما ونهضت وعملت لهن الشاي مع الهيل في ذلك ( السماور) الأصفر الكبير واتيت لهن بما لذ وطاب من أنواع " الكليجة " التي صنعتها بيدي أو ما يسمونه في بلدان أخرى " المعمول " ثم أتيت بصحون كثيرة وجميلة الشكل فوضعت فيها الجوز واللوز والفستق والبزر الأحمر أو الحب كما نسميه في العراق وهذه الحاجات المالحة يكون طعمها طيب مع حلاوة الشاي والمعمول.. أضحكتهم بحكاياتنا ونكاتنا وتكلمنا كثيرا في عدة محاور.. فرأيت ضيفتنا لا بأس بمعلوماتها حول السفر والبلدان ورؤساء العالم ومن ضمن ما قالت: " ان فيدل كاسترو " معجب بأعمالها الفنية .. ومعجب بها أيضا فلم استطيع السكوت فضحكت ضحكة عالية وقلت / مالذي أوصلك الى فديل؟ ضحكت بكل ثقة وقالت بعد ان مدت يدها في شنطتها وأخرجت صورة كبيرة لفيديل كاسترو وقد وقفت بجانبه مع عدد كبير من الدبلوماسيين وكانت حقيقة جميلة في تلك الصورة .. فأعجبت بالصورة وأعجبت بها, بعدها أردن الذهاب قلت لهن: رجاء ابقيا معي للعشاء فاعتذرن لي وشكرنني على حسن استقبالي.. قالت الضيفة أنا أحببتك جدا.. واشكر بتول لأنها عرفتني عليك.. وهذا رقم تلفوني.. أخذت الكارت الجميل منها.. حقا انه فني ثم أوصلتهما الى الباب الخارجي احتراما ثم قالت: أترين ذلك الفرع على اليسار؟ نعم اعرفه.. ادخليه وسيكون بيتي هو الزاوية على اليمين.. قلت لها انه قريب جدا من بيتي، وبينما ذهبت بتول لتهيئ سيارتها لكي يذهبا قالت لي: عديني بأن تزوريني في بيتي... قلت: أكيد سأزورك مع بتول .. همست وقالت: مهلا.. تعالى وحدك أول مرة.. وبعدها مع بتول .. أخذني الصمت مع ذلك كنت سعيدة لأني رأيت في هذه الإنسانة ضحكة مجلجلة وغريبة في نفسي الوقت وأسلوب كلام يختلف عما رايته عند الأخريات فراقتني فكرة اكتشاف نوع جديد من الأخلاق والانطلاقة الغير معهودة من صديقاتي الأخريات..فكرت في الذهاب إليها. عانقتها وأجابت مرحبة بي ان تفضلي.. فتحت باب الصالة قالت تفضلي مؤشرة على موقع الكنبة الزرقاء الكبيرة جدا جدا والتي لم أرى في حياتي بمثلها وبمثل موديلها من قبل .. جلت في نظري في صالتها الكبيرة والتي يزيد حجمها على 200 م مربع وزعت عليها أثاثا لا يمكن ان ترى مثيلا له في أي بيت عراقي.. حتى ولو كان بيت ملك أما السقوف فكان بها ثريات كبيرة غريبة في تصميمها.. والأجمل من هذا وذاك فقد يلفت نظرك وجود " بوفيه عد 2 " يزيد ارتفاعها على الخمسة أمتار رهيبة في تصميمها وفي التماثيل الخشبية التي نحتت عليها ويدخل في تصميمها أيضا شكل هندسي فني فيه شئ كثير من الإعجاز في الفن الراقي .. بعدها صوبت نظري فرأيت في الجانب الآخر كنبات لونها " شذري " أو تركوازي مخملي قديم جدا ولكنه متين بالرغم من رقة التصميم .. وطاولات محفورة .. ولوحات غلايبة في شخصيتها وجميع الأثاث الموجود في الصالة لا يحمل سمة عربية أو عراقية انه يشبه ذلك الأثاث الذي نراه بالأفلام الطرازية القديمة جدا والثرية بتفاصيلها.. الى هنا وقد أبديت إعجابي بما وضعته ورتبته من أثاث .. قلت لها: ان بيتك جميل فعلا.. ولكني اشعر ان هناك غرابة فيه.. قالت: احمدي ربك .. انت الآن جالسة على أثاث قصر من قياصرة الروس.. إنني جلبت هذا الأثاث من مكان معين وحملته عبر البواخر الى ان أوصلته بسلام الى بغداد.. أترين البوفيه في ذلك الجانب من الصالة؟

قلت نعم..  قالت: بدون مبالغة ان وزنها ستة أطنان حسب ما هو مثبت على خارطتها وكذلك البوفيه الثانية.. وقد استقدمت عمالا من نفس البلد ينصبوها حسب الخارطة المرفقة معها ويشدونها قطعة قطعة. أما تلك الكنبات الشذرية.. قلت نعم جميلة جدا.. قالت: ان" نابليون بونابرت " كان قد جلس عليها سابقا وإنها تساوي الآن ما يعادل " 2 مليون دولار " وان تلك اللوحة تساوي لا اعرف كم مليون لأنها أصيلة وبريشة الفنان العالمي الروسي المشهور " اليانوف كوزنوف " وان الفازة الكبيرة تلك الموضوعة على تلك الطاولة الانتيك تساوي وزنها ذهبا لأنها من الكريستال الأصلي القديم المرصع بالأحجار الكريمةان الشيء الفلاني سعره 3 مليون دولار وان الشيء الفلاني يساوي" 15 مليون دولار " وان الكنبات الزرقاء هذه الني تجلسين عليها تساوي كذا مليون دولار، عجبت من ذلك وفعلا ان الأرقام التي ذكرتها والملايين من الدولارات تكاد تكون صحيحة.. فعلا إنها ثروة لا تقدر بثمن.. قال: وكيف نقلتي ذلك كله؟ قالت بتبجح: زوجي سياسي كبير ويعمل بالخارجية العراقية وسهل علينا جدا شراء أثاث ونقله عبر البواخر أو طائرات الشحن.. الم تقرئي ما كتبته الصحف العراقية نقلا عن صحف ذلك البلد الذي جلبنا منه الأثاث أنها اعتبرته فضيحة سياسية وسرقة؟ قلت لا والله.. لا أتذكر إني قرأت شيئا من هذا القبيل ولكن فعلا إنها ثروة وطنية لبلدها الأصلي وجسم غريب في بيوتنا.. ضحكت وقالت إذا أثرت هذه السرقة على العلاقات العراقية وذلك البلد ماذا يهم؟  وإذا فصل زوجي من عمله ماذا يهم؟ ولو ان زوجي كان معارضا جدا لتصرفي ومنعني عدة مرات من ذلك مدعيا انه صاحب" مبدأ " أي مبدأ هذا؟ المهم عندي هو هذا المنظر الجميل الذي يزين بيتي.. المهم.. إنني استثمرت موقع زوجي السياسي ونقلت هذه التحف الفنية النادرة.. وهذه هي كل ثروتي في حياتي.." ولا يهمني زوجي ومن يدافع عنه" وبعد ان تم اكتشاف نقل الأثاث في ذلك البلد.. كان جميع الأثاث قد وصل عزيزتي يكفي إنني الآن أكل بنفس الملاعق الفضية التي أكل بها قياصرة الروس وأباطرتهم.. وبعدها فليحل الطوفان.
قلت لها: وهل اثر ذلك على علاقتك بزوجك؟

قالت: نعم انه مثالي أكثر من اللازم ولا يريد ان يتقدم في حياته لأنه وكما يدعى .. انه صاحب مبدأ وعقيدة.. طبعا اثر ذلك على فطلقته أو بالأحرى أرغمته على طلاقي. قلت وولدك ذو العشرين عاما الآن؟ قالت هذا المجرم يحب أباه أكثر مما يحبني.. تصوري ان الأنباء يحبون آباءهم حتى ولو كان آباؤهم مجرمون.. بقيت صامتة.. مستغربة من سلوك هذه المرأة.. نظرت الي  بعينين مفتوحتين وقالت: تكلمي قولي شيئا.. قلت لها.. ماذا أقول يا سيدتي سوى إني أتمنى لك الهداية والخير على الأقل لأجل ابنكما.. عند ذاك نهضت وقالت: كل من يدخل بيتي يطمع بي ويسرقني ويخرج وبدون تفضيل رجالا ونساء.. وحتى أختي وأهلي كلما يأتون الى بيتي يسرقون مني تحفيات ويبيعونها خارج العراق وكذلك أختي الكبرى بالذات سرقت مني 4000 دولار" فقلت مع نفسي السارق يعتقد ان كل الناس سراق " والشريف يعتقد ان كل الناس طيبين.. ما هذا الجو القاتم الذي يحيط بهذه المرأة ؟
وحتى هذه اللحظة لم تقدم لي حتى كوب ماء أو تسألني عن ذلك؟

نهضت لكي اخرج .. نظرت الي بعينيها السوداويين الواسعتين واضعة يدها على كتفي بقوة كأن تقول لي اجلس بالقوة .. قائلة: اعتقد انك مثل الباقين.. تفكرين في سرقتي..قلت: أنا ؟؟ قالت: نعم انت.. قالت هيا اخرجي الملاعق الفضية الثمانية التي سرقتها مني الآن!! أخرجيها وإلا سأجلب لك جماعتي ليأخذوها مني بالقوة.. ضحكت وقلت:أتمزحين معي؟ منذ أتيت وأنا جالسة على هذه الكنبة لم أتحرك من مكاني يبدو انك ممثلة كوميدية رائعة.. ما هذا الذي تقولينه؟
قالت: أنا جادة بهذا الموضوع..أخرجيها فورا وإلا..وقفت وأعطيتها شنطتي ورفعت يدي الى الأعلى كي تفتشني،أدخلت يدها في شنطتي ورمت بكل ما موجود فيها.. هيا اخرجي الثمانية ملاعق الفضة القيصرية..أخرجيها.. هيا نشف ريقي وخفت على نفسي كثيرا وأنا وحدي معها في بيتها الذي سرقت أثاثه وحولته من قارة الى أخرى .. ومن شدة خوفي منها ومن نظرتها الحادة قلت لها : كم يساوي سعرها ؟ فقط قولي لي وأنا ادفعه لك حين اذهب الى البيت.. قالت: هذه الملاعق " انتيكة" إذا بعتها فستشترين بسعرها مطعما كبيرا.. قلت لها وأنا خائفة جدا منها: ما هذا الذي اتهمتيني أيتها الفاضلة؟ من فضلك اسمحي لي بالخروج وسيكون خيرا ان شاء الله قالت: دخول الحمام ليس كخروجه ثم ركضت بسرعة واتت وهي تحمل ورقة وقلم وقالت: هيا وقعي على أنني أطلبك مبلغا وقدره.. قلت لها كم قدره؟ قالت فقط وقعي هنا..قلت لها ضعي مخافة الله يا امرأة أنا دخلت بيتك أول مرة وانت التي طلبت مني ذلك، قالت:" وقد ارتفع صوتها" لكنك سرقت اعز ما املك.. وبينما نحن بهذه المشادة الكلامية إذا بولدها يدخل البيت:فاستنجدت به أنقذني ووقف بيني وبينها وقال لي:اخرجي يا سيدتي ولا تعاودي المجئ هنا مرة أخرى.. شكرته جدا وخرجت.. اتصلت بصديقتي بتول وقلت لهل كل شئ فلم اسمع منها إلا ضحكة عالية جدا جدا وقهقهة مستمرة.. قلت لها ما بك أجننت؟ قالت احمدي الله ان الذي فعلته بك شيء لا يذكر أمام الذي فعلته بي.. قلت لها ولماذا عرفتيني عليها ؟ قالت هي التي طلبت مني ذلك بعد ان قرأت لك مقابلة صحفية وعرفت إنني أعرفك وانت صديقتي.. فما علي إلا ان عرفتها عليك..وصار ما صار..واستمرت في الضحك.. وضحكت أنا أيضا واعترفت تماما ان شر البلية ما يضحك .

 

 

 

فخذ اللحم

March 18, 2010

مضى على معرفتي بهم في لندن حوالي ثمان سنوات وهذه المعرفة أو العلاقة تكون عادة أما من خلال التلفون أو لقاء عابر بالباص أو في الشارع وفي كل مرة يرونني فيها يقولون لي و ( بنية صافية) يجب ان تحددي لنا يوما لكي تأتي الى بيتنا  ونشوي لك كبابا في الحديقة.. افرح أو بالأخرى اتضاهر بالفرح لهذا المقترح اللطيف والأمل والحلم في أكلة الكباب المشوي هذا.. وان زوجته زينب تجيد الشوي ولايوجد هنالك (كببجي) في العالم يجيد الشوي مثلها ومثلي رجاء قولي متى؟ وأنا بدوري و(بنية صافية وصادقة معهم) قلت: إنني حاضرة.. وفي أي وقت من أوقات فراغكم أو عطلتكم أو راحتكم.. بمجرد ان تتصلوا بي.. ساتيكم فورا: أو راحتكم.. بمجرد ان تتصلوا بي..ساتيكم فورا:(زحفا على الرأس لا مشيا على القدم) يفرحوا جدا مثل فرحي وإنهم سوف يوجهون الدعوة الى أم سلام..وأم إيمان وأم هوكار.. وآخرين لان جميع هؤلاء ينتظرون موعدا منك ويحبوا ويرغبوا ان يتعرفوا عليك.. ويأخذوا معك صورا تذكارية...أقول لهم: أنا حاضرة وبكل ممنونية.. فيقولون: نعم.. ويفرحوا بترحيبي بمقترحهم ويذهب كل منا الى طريقه (وأتذكر حينها أغنية أم كلثوم وإذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأحباب كل في طريق) مضى على ذلك ثمان سنوات وفي كل مرة نلتقي(صدقوني وبدون مبالغة) ويدور نفس الموضوع. وفي أخر مرة التقينا فيها الحوا علي كثيرا وطلبوا مني ان احدد موعدا..قلت مع نفسي: لماذا هذه الجرجرة والعرعرة فلأحدد لهم موعدا.. بما أنكم مصممون على ذلك إذن سيكون السبت القادم..الساعة الواحدة ظهرا.. جيد؟
قالوا جيد جدا. ثم أردفوا بقولهم..سوف نتصل بكل جماعتنا ليحضروا.. ونهنأ بالكباب المشوي معك.. قلت: شكرا بارك الله فيكم.. ذهبوا وذهبنا والله خير الرازقين. أتى ذلك اليوم الموعود وكأنني محرومة من إنجاب طفل انتظرته ثمان سنوات ولادته هذا اليوم.. انه اليوم الميمون في لندن وفي منطقة (ساوث فيلد) ويوم مشمس وكباب مشوي...لا..لا..لا.. انه أكثر من الحلم، دخلت وإذا بي أرى جمعا كبيرا من صديقاتي:هذه (كلي) إيرانية الأصل وهذه (سيروان كردية الأصل.. وهذه(أم سلام) وهي من ضواحي بغداد وتلك ميسون من كركوك وأصحاب البيت (الكببجية) الزوج تركماني والزوجة كردية وأولادهم ( MIX )وعوائل أخرى كثيرة.. الجميل في الموضوع ان بالكون المطبخ يطل على الحديقة الخاصة بالشارة والتي لا تخص البيت وكلنا جالسون على كراسي مهجنة من كل الأشكال والأطياف والأصناف مثلنا تماما نحن الضيوف. كل ذلك وأنا واقفة واسلم وابتسم، الكل فرح بمجيء وآنا كذلك فقد أتى اليوم المشهود.. جميعا وبحب كبير قالوا: تفضلي اجلسي..شكرتهم ممتنة لتقديهم وتضحيتهم بأحسن كرسي في المجموعة وما ان جلست عزيزي القارئ على ذلك الكرسي إلا ورائته ينقسم الى أربعة أقسام  وظهري ثابت في الأرض ونظري الى السماء.. فلم اسمع سوى كلمة.. اسم الله.. اسم الله ..اسم الله.. وفي هذه اللحظة  قامت أم سلام  من كرسيها لتنقذ الموقف الذي لااحسد عليه إلا وقد وقعت هي الأخرى فوقي وأنا ما أزال منبطحة على ذلك العشب الأخضر الجميل..سمعت أم سلام تقول بلهجتها الشعبية (عزة شنو مالكراسي المطعطعة؟ عند ذاك قام بعضهم وسحبونا من أيدينا وانهظونا ثم قالوا لنا: سلامات.. فأكملت لهم بدوري (سلامات سلامات سلامات ياحبيبة يا بلديات) تلك الأغنية  المصرية التي غنتها نادية مصطفى ويقال والعهدة على القائل:هذه الأغنية رجع من خلالها25000ألف مصري الى مصر لأنها مست عندهم المشاعر الوطنية والعاطفية.. وقفت بعد ان استرديت عاطفتي من تأثير تلك السقطة ونظرت بعيدا فرأيت (تنكة) تشبه تنكة دهن الراعي العراقية، فقلت لأحد الأولاد بقربي.. من فضلك هل تستطيع ان تجلب لي تلك التنكة من هناك ؟ ركض ورجع بثواني، وضعتها ثم جلست عليها ولم ينتبه احد لذلك..شكرت الله إنني أمنت نفسي ووضعتها بالحفظ والصون.. قلت لكم عندهم بالكون أو شرفة وهذا يطل على الحديقة الخاصة بالشارع العام والتي نحن جالسون فيها...الزوجة (تشيش) أي تضع اللحم فوق الشيش وزوجها أسفل البالكون يأخذ نتها فيشوي.. الى هنا ونحن في أعظم آيات السعادة  والحبور.. ورائحة الكباب الذي انتظرناه طويلا..امسك زوجها شيش الكباب ورفعه الى أعلى موجها كلامه لي وحدي: تصدقين أو لاتصدقين يا ستي انا اشتريت فخذ اللحم هذا بـ 42 باونا ؟ ضحكت وقلت ولماذا لااصدقك، اللحم هذه الأيام غالي.. قال مؤكدا كلامه:42 باونا باوند ينطح باوند.. جميع الحاضرين أيدوه وابتسموا فذهب مسرعا الى المنقلة التي يشوي عليها وقال:الكباب لا يؤكل باردا..سأوزع الوجبات عليكم حسب الجلوس وتذوقوا نوع هذا اللحم هو نفس الفخذ الذي قيمته42 باونا.. أتى المسكين بالوجبة الأولى عشرة شيش كباب وأعطى لكل منا شيشا واحدا.. وفعلا كان طيبا ولذيذا.. بعد ان انتهيت من أكل حصتي، قلت له:عاشت يدك.. فعلا انه شهي.. ضحك فرحا وقال: إذن أنا محق الـ42 باونا التي اشتريت بها الفخذ لها (حوبة) أي لها قيمة أي أنها لم تذهب سدى.. قلت: أكيد.. ثم أعطيته زوجته من البلكون وجبة أخرى ليشويها.. وقالت: والله العظيم عندما اشترينا فخذ اللحم وزوجي اخرج 42 باونا من جيبه فان جميع الواقفين قد استغربوا من هذا الصرف..42 باونا ليس قليلا يا ست فوزية 42 باونا ليس قليل.. قلت لها: لك الحق في ذلك..هل تعرفين يا أم دانا لو أردنا ان نحسبها ونقسمها على الفلوس العراقية كم سيكون سعر الفخذ هذا؟ قالت كم؟

قلت اضربي42 في3000 وعندك الحساب يعني ما يساوي 26000 دينار عراقي.. فعلا إنها كارثة.. والله يا سيدتي لقد كلفتم أنفسكم بشراء فخذ اللحم هذا انتم كرماء وبشكل لايصدقه العقل فتشجع زوجها وقال لك لو تعلمين يا ستي هذه 42 باونا كنت قد وضعتها لسنوات عديدة في محفظتي واعتبرتها منسية ولكن تحديدك للموعد بهذه السرعة. هو الذي أخرجها من سجنها قلت في نفسي (الله يستر) قال: ولكنني سأحاول تجميع 42 باونا مكانها إذا بقى لنا عمر ان شاء الله هنا.. الكل ساكت ينظر اليه، هذا وقد أصاب كل منا نحن الكبار شيشين اثنين والأولاد والأطفال اقل من شيش.. التفت الى صديقتي الكردية قائلة: من فضلك هل تستطعين ان تترجمي لي كيف يكون الدعاء من العربي الى الكردي لهذه الجملة؟

قالت: وماهي الجملة؟

قلت لها: شكرا جزيلا لهذه الدعوة وبارك الله فيكم وساعدكم على صرف42 باونا على أكلة الكباب اللذيذة هذه (أخرجت ورقة وقلما من شنطتي وكتبت.. ثم طلبت من صديقتي الإيرانية نفس الطلب فترجمتها وكتبتها وكذلك بالتركماني فكتبتها أيضا..أحضرت جميع الترجمات وعندما عملوا الشاي على الفحم وقدموه وجلسوا قربنا، أخرجت ورقة الخطاب للمترجمات وقلت لهم: عندي ما أقوله لكم بخمسة لغات.. ضحكوا جميعا وابتدأت أولا بشكرهم باللغة العربية (لم احتج الى ورقة لأنها لغتي الأصلية) فصفقوا لي ودعوت لهم باللغة الكردية وبعدها بالإيرانية وثم بالتركمانية وبعدها باللغة الانكليزية فضحكوا كثيرا وصفقوا لي.. وقد آخذو على سبيل المزاح والنكتة.. وقد شجعني ذلك على قول ما يدور بداخلي ثم أردفت قائلة: أليس كان من الاشرف لي ان اذهب الى مطعم يشوي الكباب العراقي وما أكثرها في لندن وبدون السقوط من على الكرسي وبدون سماع النشيد الذي يتغنى بالـ 42باونا الميمونة؟ وبكل هدوء ادفع ثمن نفر الكباب واخرج وأنا مرتاحة البال؟

ثم قلت: مع ذلك حقا كانت جلسة لطيفة.. وما ان نهضت من فوق التنكة التي كنت جالسة عليها إلا وسمعت صوت عظامي تطقطق.. فقررت الذهاب غدا الى المستشفى لأخذ الأشعة.

 

 

فريدة
وفراغ العيش

كنا ثلاث صديقات منذ الابتدائية حيث بيوتنا قريبة من بعضها  ودوام صديقاتي يختلف عن دوامي ثلاثة أيام صباحي لهم  وثلاثة أيام صباحي  لنا  وكنا نجتمع بباب المدرسة ننتظر الدخول.. كنا نحب المدرسة  حبا جما.. حبث إنها المتنفس الوحيد لإظهار مشاعرنا وتأكيد طاقاتنا وتصريفها قدر الإمكان وبالحدود اللائقة.. وتنطوي الأيام بسرعة البرق .ز فترانا كبرنا سنة أخرى.. كانت تقف دائما وحية  حاملة كتبها وعلى وجهها ابتسامة حزينة.. اقتربت منها يوما لأسالها عن اسمها، ضحكت وقالت: أنا اعرف اسمك.. أنت سعاد.. فرحت وانت ما اسمك؟ قالت فريدة  قلت لها: فريدة .. أحب ان تكوني صديقتي وابتسمت وقالت لكننا في دوامين مختلفين: قلت: لا يهم.. تعالي الى بيتنا..عندما يسمح لك اهلك  بالخروج.. انظري الى بيتنا انه ثالث بيت بعد المدرسة .. هل عرفتيه؟ ابتسمت وقالت ان شاء الله.. دق جرس المدرسة فذهبت بعد ان أشرت لي بيدها مع السلامة.. مع السلامة.

فترة الخمسينات.. إنها فترة اجتماعية عصيبة حيث خرج المجتمع الدولي كله  من الغلاء الفاحش للحرب العالمية القانية والناس في كل مكان في العالم عاشوا العازة والفقر وعدم توفر الحاجات الضرورية لديمومتهم.. ولكن الحياة تسير ما دام  هنالك شمس وقمر.. وأنا خارجة من المدرسة.. أخذت طريقي الى بيتنا عبر الأزقة.. فانك تشم رائحة الطبخ العراقي.. كرائحة مرق الباميا ومرق السبانخ  والسمك المقلي والناس في هذا الحر القائض تراهم يحتمون بمرورهم عبر أزقة بغداد القديمة حيث يصلوا الى بيوتهم تخلصا من الحر وهو في طريقهم  يشمون تلك الروائح الزكية  فنشتهي جميعا للدخول الى بيوتنا لنجلس على مائدة بسيطة أو سفرة أرضية.. نأكل ونشرب ثم ننزل بعدها الى السرداب والسرداب هو عبارة عن اخفض طبقة أرضية في البيت واطئة على 20 درجة (سلم) في أسفل البيت حيث هنالك تنقطع عن الحر تماما وعن سموم الهواء الحار..ننزل الى (السرداب) فتكسر أمي الرقي“البطيخ“ والذي ما أزال أحبه حتى يومنا هذا.. وكنت وأنا صغيرة أتمنى ان أتزوج بائع الرقي حتى أكل اكبر كمية من الرقي..عقل الطفولة.. بعد ان تكسر أمي الرقية  أو ( البطيخ) تعمل منها قطعا جميلة  ونأكله وهو بارد لأننا كما قبل يومين أنزلناه الى السرداب.. بعد ان تغدينا وأكلنا  الرقي  يبدأ النعاس يتسلل الى أعيننا وتتراخى أجسادنا  فنذهب  في نومة لذيذة.. ليست لها مصل.. ننام ساعتين أو أكثر.. بعدها تنادي اختنا الكبرى بصوتها العالي المزعج  في كثير من الأحيان تنادينا  لتناول الشاي، أختي هذه منعتها أمي من دخول المدرسة لتستخدمها وتضعها في خدمتها  أولا.. وخدمة البيت ثانيا.. ثم حولتها بالتدريج الى إنسانة مشاكسة سليطة اللسان تشتم جميع الناس من الأقرباء  والغرباء وبما ان الحالة قد استشرت عندها أخذت تتجاوز حتى على الوالدة الحنون التي شجعتها وصارت فيما بعد تخشاها وتخاف منها بعدها نسمع صوت أبي ينادينا هيا .. انهضوا  لشرب شاي العصر سوية. فها أنا قد عدت من عملي وانتم نيام.. نبدأ بالصعود واحدا بعد الآخر في هذه الأثناء تكوم أمي قد أحضرت لوالدي مالذ وطاب.. تقوم بواجبه وتخصه بالعناية والاحترام.

لان حياة العوائل في تلك الفترة تعتمد على جهود الرجال.. يأتي والدي الى البيت وخلفه الحمال يحمل كل ماهو موسمي من الفواكه ذات النكهة الطيبة والمعتمدة على التربة الخالية من أي مادة كيماوية.وفي يد والدي علبة كبيرة من الحلويات“ بقلاوة وزلابية“ فاسمع أمي تقول عسى الله ان يبارك في عملك ويرزقك.. ما هذا؟ أكثر من اللازم با أبو محمد..فكنت اشعر ان أبي يتشجع ويفرح لإطراء أمي ودعائها.

طرق الباب ... فتحته وإذا بفريدة واقفة خجلة مترددة!! صاحت أمي من الداخل .. من في الباب ياسعاد؟ قلت لها صديقتي الجديدة فريدة.

رحبت بها أمي وأدخلتها بيتنا وسألتها عن زوجة أبيها وعن عمتها!.. الظاهر ان أمي تعرف عائلتها حق المعرفة وسألتها أيضا عن أختها الكبرى وأخويها من والدها فكانت فريدة تجيبها يصوت واطئ.. كلهم بخير.. وسألتها أمي ثانية ها فريدة هل صحيح انك ستتزوجين الخميس القادم؟

أحنت رأسها وقالت نعم صحيح با خالتي.. ومن هو سعيد الحظ الذي سيتزوجك؟

أحسست من لهجة أمي إنها تعرف من سيتزوج فريدة.. أجابتها فريدة صادقة: والله لا اعرفه ياخالة.. انه احد أقرباء أم علي زوجة أبي ولكنك صغيرة وفي السادس الابتدائي.. أجابت صحيح.. ماذا اعمل؟

وهل تعرفين كم عمره؟ لا اعرف يا خالة.. ولم أره في حياتي أبدا

قالت أمي: لقد سمعت من بعض الناس ان عمره40 أربعون سنة وهو يعمل بالبناء  قالت فريدة: والله لا اعرف أي شئ عنه.. فقط ان زوجة أبي قالت  انه سوف يربيك ويعلمك كيف تكونين ربة بيت جيدة..

وما رائي أبيك  بذلك إلا تعرفين؟ أب غير راضي وحين قال لها لا يجوز أنها صغيرة  بكت ولطمت على وجهها وغابت عن الوعي وقالت أنها أعطتهم كلمة وإذا لم تقبل بذلك سوف اقتل نفسي واعمل لك فضيحة..

قالت أمي: لقد سمعت من بعض الناس ان عمره40 أربعون سنة وهو يعمل بالبناء  قالت فريدة: والله لا اعرف أي شئ عنه.. فقط ان زوجة أبي قالت  انه سوف يربيك ويعلمك كيف تكونين ربة بيت جيدة..
وما رائي أبيك  بذلك إلا تعرفين؟ أب غير راضي وحين قال لها لا يجوز أنها صغيرة  بكت ولطمت على وجهها وغابت عن الوعي وقالت أنها أعطتهم كلمة وإذا لم تقبل بذلك سوف اقتل نفسي واعمل لك فضيحة.

سألتها أمي بإلحاح: وماذا احضروا لك ليوم العرس ؟ قالت لا اعرف .. أم علي هي التي تعرف كل شئ.. وهل أنت فرحانة؟ أحنت رأسها  والدموع تترقرق  في عينها.. كلا 

أنا لا اعرف أي شئ ..  ثم انفجرت في بكاء حاد وقد انخرطت جالسة على حافة الكنبة الخشبية .. ذهبت أمي بعد ان عملت التحقيق اللازم  مع هذه المسكينة البائسة  جلست انظر إليها متألمة لحالها.. وانفجرنا في البكاء  سوية  ونحن لا نعرف معنى نفكر فيه .. وما هي  إلا لحظات حتى رأيت أختي  الكبرى  تهجم علينا .. أخذت  تضربني وتهينني  أمام صديقتي  وحين قلت لها ما بك؟
اتركيني .. صرخت بي .. اخرجي  أنت  وصديقتك التي ستتزوج يوم الخميس ..  ثم اتجهت نحو فريدة  وأوسعتها ضربا وهي تصرخ وتقول  مالذي  ينقصني أنا حتى لا يطلب يدي احد؟ ها ؟
واستمرت بضرب المسكينة وكلما أدافع عنها بيدي .. تزداد في ضربنا نحن الاثنتين.

قامت صديقتي منهكة وقالت: لا يهم .. اتركيها تضربني فانا متعودة على ذلك من أم علي إنها تضربني ثلاث مرات أو أكثر في اليوم.. قبلتها بسرعة وأخذت نركض هاربة من بيتنا لتتلقى مصيرها مع زوج مجهول لاتعرف عنه أي شيء.

وبالصدفة وكما يقول المثل: الدنيا صغيرة.. التقيتها بعد مايقارب العشرين سنة في السوق المركزي في بغداد وهي تدفع رجلا كبيرا في السن على كرسي للمعوقين اعتقدته والدها .. نظرت إليها.. ونظرت إلي فاندفعت نحوها وقبلتها وقبلتني وقلت لها  أين انت؟ وطبعا كانت ماتزال في ريعان الشباب ولكنها مكسورة الخاطر.

قالت أنا في هذه الدنيا عندي ولد وبنت.. وأشارت الى فمها واضعة يدها عليه: وفم مسدود.. وهذا الكرسي والعازة والفاقة.

انظري انه زوجي.. اعتني به لايستطيع المشي.. انه مصاب بالروماتزم الحاد في كل جسمه. سألتها: وما أخبار اهلك؟ أجابتني:(أم علي تعيشين أنت) توفاها الله وحين كانت على فراش الموت طلبت من المحيطين بها إنها تريد ان تراني قبل موتها لتطلب  مني السماح.. لأنها زوجتني بهذا الرجل المريض وقبضت الثمرة في وقتها وحرمتني من دخول بيت والدي.. منعتني منعا باتا.. وكان أبي يخاف منها .

كانت تعرف حق المعرفة حقيقة مرضه.. تصوري وأخذت تبكي.

كل يوم وقبل ان ينام يبصق بوجهي ويشتمني بأقذع الكلمات وهل ذهبت؟
الحقيقة.. كلا.. لم اذهب إليها لالشيء وإنما عطفا عليها.. سامحها الله.. والمشكلة ليس زوجي وحده المريض.. بل ولدي وبنتي يعانون من نفس المرض..
لأنه مرض وراثي وسيلاقون نفس المصير.

وسأظل ادفع بهم وبهذه الحياة الى ان أموت.. اختنقت وبكيت لحالها، وأخرجت ماتوفر عندي من نقود فرفعت يدها متعففة لاتريد أخذها.. قلت لها أرجوك خذيها..

أين تسكنين الان؟ اسكن؟ في احد الكراجات الخاصة المهجورة وفي كل يوم تأتي البلدية لتخرجنا من هذا المكان.. وأولادك ماذا يعملون؟ إنهم غير قادرين على عمل أي شيء.. وكيف تعيشون؟ نعيش على باب الله الواسعة.. اخرج به منذ الصباح الباكر وارجع بعد الظهر.. وبعض الأشراف يرحموننا فهذا يعطينا ربع كيلو لحم .. وذاك يرحمنا بالخبز وهكذا..

وأنا أفكر ليل نهار ” بفراغ للعيش“ بمكان نعيش فيه امنين .

قلت لها: اطمئني ياعزيزتي فانا عندي لك مكان يحميك ويحمي عائلتك أتمنى من الله ان تسكني فيه وتحافظي عليه وسامر عليك نهاية كل شهر لأساعدك.

ولاتخرجي بعد ألان الى الشارع أرجوك.. فلم تملك إلا ان أردت الوقوع على  يدي تقبلها.. فاستغفرت الله ومنعتها من ذلك..

ثم قلت كم يبعد بيتك عن هنا؟.. قالت ساعات وساعات لأنني ادفع هذه العربة.. قلت لها: هل يستطيع ان يتحرك قليلا زوجك هذا ويجلس في السيارة؟ قالت نعم .. قلت لها هيا.. ناديت بعض الناس فساعدونا على إجلاسه في سيارتي ووضعت الكرسي في الصندوق الخلفي.. ووصلنا الى المكان الذي تسكنه.. انه كارثة.. مرت أيام وأسكنتها في المكان الذي وعدتها به.. وأجريت لها ماتفضل الله به عليَ.

واستمرت ساكنة به حتى يومنا هذا وأينما اذهب أو أسافر.. فإنها تتصل بي وتطمئن عليَ وأنا كذلك ومن عام 1991 لم أراها ولكنني متواصلة معها من خلال أناس خيرين إنها أروع إنسانة عرفتها في حياتي.

ظلمتها زوجة أبيها وظلمتها الظروف.

 

 

باص 39 

حين كنا في بغداد وفي الجامعة كنا نتعامل باللغة الانكليزية فقط بالمصطلحات التي تخص عملنا وقد تعودنا عليها.. حتى الأساتذة القادمون من بلاد الغرب يتعاملون فقط بالمصطلح. وفي جميع مراحل الدراسة كانت المناهج تركز على ” الكرامر Grammar” ” ولم تعلمك لغة كيف تستطيع ان تنطلق في الكلام وتقترب من لغة الشارع. المهم.. حين وصلت الى لندن اعتبرت نفسي بطلة في اللغة الانكليزية ولا يضاهيني احد بذلك.. دخلت المعهد لأخذ كورسات باللغة ( South Thames College  ) وبدأت الدوام فيها ورأيت أسلوب وطريقة الأساتذة في التدريس.. في الحقيقة راقتني طريقتهم وأسلوبهم في تسهيل توصيل المعلومة ببساطة الى العقل ، وكيفية استثمارها وتبسيطها بالرغم من صعوبتها... انه سحر الانكليز ودبلوماسيتهم حتى في التعليم!. لذلك كنت أتهيأ كل صباح واخرج من كوخي الصغير الى معهد تعليم اللغة لاستعادة جميع المعلومات السابقة. فكان الباص القريب لي هو ” باص 39 ووندزوورث“ .. ركبته أول مرة حيث وضعت بطاقتي على الجهاز فانفتح  ضوء اخضر مع صوت واطئ ان نعم ان ” البطاقة سارية المفعول“ ولأول مرة أرى سائق الباص ينظر الي مرحبا وقد وضع على رأسه عمامة يرتديها ” السيخ“ وهو مبتسم سائلا إياي من أين انت؟

قلت له ولماذا تسألني هذا السؤال ؟ قال: عفواً فقط أردت ان اعرف.. إذا تسمحين.. فلت: من بغداد .. هز رأسه وقال : ” بكداد“ .. 

ذهبت فجلست على كرسي في الباص،  وبدأ السائق يسوق حافلته وكلما أدرت وجهي بين آونة وأخرى أراه ينظر الي بإعجاب وبابتسامة كبيرة مشعرا إياي إني مهمة عنده... وصلت الى الكولج بعد ان حياني تحية قوية بيده باي.

قلت :  له باي .. دخلت النادي الخاص بالكولج لشرب كوب من الشاي الحار في ذالك الصباح البارد وجلست أفكر مع نفسي وما حصل مع هذا ” السائق“

لو كان عمري أقل من ذلك بعشرين سنة لوجدت مبررا لإلحاحه..

مع ذلك شعرت بغبطة وسرور ان قليلا من البريق مازال موجود عندي.. وأعادتني هذه اللحظة بحب الناس لي شوارعنا في بغداد وسلامهم المخلص وتحياتهم الرائعة واحترامهم للفنانين في كل مكان يحلون فيه فشعرت بنشوة لحظوية... أين نحن الآن من ناسنا وأهلنا وأصدقائنا وبلدنا ومعارفنا وشعبنا؟

وفعلا صح المثل القائل : ( الذي لا يعرفنك لا يثمنك ) .

المهم .. انتهى ذلك اليوم بسلام واتى اليوم الثاني وقد ركبت نفس الباص مع نفس السائق .. وضعت البطاقة على الجهاز .. اخرج يده من تحت زجاجة الباب وامسك يدي قليلا ثم سحبها .. وقبل يده ثلاث مرات ووضعها على جبينه.. جلست في مقعدي الى ان وصلت.

فلت في نفسي : مالذي يحصل ؟ لم أر تفسيرا معينا يقنعني ويشرح لي ما هذا؟

ركبت نفس الباص في اليوم الثالث وقلت له.. صباح الخير ..

واعتبرت نفسي ضمن لعبة درامية حلوة مشوقة لمعرفة نهايتها..   

أجابني صباح الخير .. ثم مد يده فأعطاني ظرفا!! أخذت منه الظرف وجلست  في مكاني.. وعند وصولي الكولج فتحته فإذا بداخله صورة له بحجم الظرف وفد كتب خلفها كلمة إهداء وهو يطلب صورتي أيضا!! قائلا إذا سمحت بذلك من فضلك.. وضعت الظرف في حقيبتي وسكت..  فكرت مع نفسي .. ماذا اعمل حتى لا اركب نفس الباص.. يجب علي في هذه الحالة ان امشي مسافات طويلة لأخذ باصا آخر.. ما هذه المحنة؟

غدا السبت وبعده الأحد ولا دوام .. ولا مسك يد.. ولا إهداء صور.. ولاهم يحزنون. أتى يوم الاثنين .. توكلت على الله وركبت نفس الباص مع نفس السائق.. هذه المرة أنا التي بادرت بالسؤال : صباح الخير .. كيف حالك؟

قال: أنا جدا سعيد .. هل أتيت بصورتك؟

قلت له : كلا ... قال : لماذا ؟ افلت: وبماذا تريد صورتي ؟

قال أريد ان أرسلها لأهلي ... ترسلها لأهلك!!!!؟

قال: نعم.. قلت : ولماذا ؟ ماهو هدفك من ذلك ؟ قال لي وقد أحنى رأسه لأنني .... لأنني... لاحظته يعاني بين إكمال جملته وعدم إكمالها..

قلت له : وأنا اشعر إنني مطلوبة حتى هذا العمر .. الحمد لله فما أزال جذابة .. التفت إليه وقلت له : نعم انك ماذا ؟ قال : إنني احبك .. قلت : تحبني !!!؟

قال : نعم احبك .. لأنك .. لأنك .. قلت لأنني ماذا ؟

قال: لانك تشبهين جدتي... 

 

    كنت معهن في المطعم

بشكل أو بآخر تضعك الظروف من غير ان تعلم  وسط مجموعة من الناس هم في الحقيقة ناسك.. أبناء بلدك.. تقاليدك.. يحملون نفس مشاعرك، شاءت الظروف ان اندمج بهذه المجموعة من النساء.. منهن من تجاوزت الثمانين من عمرها ومنهن تحت سن الستين ومنهن على حدود الخمسين فاللواتي هن بحدود الخمسين كن يقمن بالمهمات الصعبة حيث ان حركتهن سريعة.. وهن ما زلن متشبثات بالشباب الغابر الذي بدأت تظهر خطوطه على جزء من قسمات وجوهن حول الفم.. وفوق الجبهة وانطفأ قليل في بريق العينين.. لايهم من كان عمره اليوم عشر سنوات فبعد 20 عاما سيصبح في الثلاثين.. هكذا هي الحياة..

ما ان يبدأ يوم الاثنين إلا ونرى ان الأسبوع قد انتهى ويعقبه الشهر  ثم السنة وبعدها يأتي الاحتفال برأس السنة الميلادية  ويهل علينا 2011 ، ما هذا الزمن السريع؟ انه من أعمارنا.. هذا إذا أردنا ان نحسب عمر الإنسان الصحي بخمسة وعشرين ألف رسالة بالتحديد فسيصل عمره الى ما يزيد على الثمانين عاما.. استغرب للساعات التي تمر.. ولكن الوحيدون اللذين يفقهون معنى  لوجودهم هم اللذين يعتبرون ان لهم في كل أسبوع (عيد) وعيدهم هذا يبدأ عادة مساء الجمعة والسبت ثم الراحة والنوم يوم الأحد وبعدها التهيؤ للذهاب الى عملهم يوم الاثنين.. يرقصون.. يغنون.. يضحكون.. يتكلمون ويحبون.. هذا هو مبدؤهم.. إما نحن واه ما بعد نحن.. رن جرس الهاتف في كوخي الصغير.. الو؟

نعم.. أهلا وسهلا أم عماد.. سيدتي.. في يوم؟ السبت؟

اين؟( سلون سكوير ) وما هي المناسبة؟

عيد زواجكم الأربعين.. مبروك.. إنشاء الله 400 سنة.. أغلقت سماعة التلفون وقلت مع نفسي أي 40 سنة نحن في الوقت الحاضر كلنا نشبه (الخردة) أي 400 سنة هذه المجاملات  التي ينطبق عليها المثل ( كلمة حق يراد بها باطل) تهيات وذهبت الى محل بيع الزهور واشتريت باقة سعرها بالتحديد ( والله العظيم وانتم أمامكم علي القسم) اشتريتها بـ 35 باون استرليني عدا ونقدا واشتريت كارتا جميلا من نفس البائع وكتبت عليه بخطي الجميل التهاني والتمنيات لهذا الزواج السعيد المكلل بالحب والعطاء والإخلاص والوفاء (ومن الكليشات التي تكتب وليس لها صحة على أرض الواقع) ثم ارتديت ما يريحني من ملابس وذهبت.

رأيت ذلك الجمع الغفير من الصديقات اللواتي اعرفهن وأنا س كثيرون لا اعرفهم.. جلست مع الجالسين ثم سلمت باقة الورد الى أم عماد فشكرتني على ذلك

وقالت: لقد كلفت نفسك يا عزيزتي، قلت لها:لا شكر على واجب هذا قليل بحقك أنا سعيدة بدعوتك لي..

ضحكت وقالت: أفضل من الجلوس في البيت نتجمع في المطعم نأكل ونشرب ونتحدث.

لقد كان ضجيجهن عاليا ولا نستطيع ان نفهم من هي الزعيمة ومن هي القائدة لهذه الجلسة.. ومن هي المتبرعة بتقديم القفشات.. كن منطلقات وفرحات جدا جدا.

كان عدد المدعوات 34 سيدة..ياالله إنها دعوة مكلفة وفي هذا  المطعم الغالي المعروف بأسعاره العالية.. ولكن لا يهم فان (أم عماد) غنية وعندها القابلية للدفع.

أتي صاحب المطعم وكأنه بطل أفلام أمريكية بأناقته ولباسه وذوقه في تناسق الألوان بدا يعطي الأوامر للعاملات البولونيات الجميلات والانكليزيات.. حيث وبدأوا  بوضع الطعام..الكباب المشوي والتكة وقطع اللحم ثم المقبلات..التبولة وأنواع السلطات..وذلك السوب الحار وصحون الرز الكبيرة والزعفران واللوز والكشمش وفوقه ذلك اللحم المحمص، انه منظر يأخذ بالباب المعدة.. خاصة إذا كنت لم تتناولي فطورك الصباحي ابتدأنا بالأكل وشبعنا وبعدها شربنا الشاي ثم الحلويات وبعدها أنواع كثيرة من الفاكهة المتنوعة ونحن في غمرة هذه السعادة،  رأيت ليلى وبيدها ورقة وقلم تأخذ تواقيع الجالسات  بالجانب المقابل للمائدة..

يقرأن ثم يوقعن!! وبعد ان يرفعن رأسهن بعد التوقيع، تعتلي وجوههن صفرة ثم صمت  ثم يبدأن بالتشاور والهمس  فيما بينهن.. استمرت ليلى مع قائمتها التي لحد الآن لا تعرف ما هي.. الى ان وصل الدور لنا فقالت لي: وقعي هنا من فضلك.. قلت ولم التوقيع؟
ضحكت وقالت: ثمن الطعام وإذا لم يكن المبلغ معك الآن فانا سأدفع وأخذه منك فيما بعد.. ضحكت وقلت: وكم هو ثمن الطعام؟

قالت اقرئي، ركزت على الرقم وكان 55 باونا استرليني وقعت على حظي العاثر وبعدها أخذت القلم من يدها فكتبت 34 + 55 = 89 باون + 3 أجرة الباص ليكون المجموع 29 باون، ياالله ما الذي ورطني بالمجيء الى هنا؟

قلت لنفسي كفى.. أنها تجربة ولا يلدغ المرء من حجر مرتين.
نهضنا جميعا وبدأنا نسلم على صاحبة الدعوة الميمونة ( أم عماد)  وتمنينا لها الصحة والسعادة  والعافية مع زوجها وقلت لها: إنها أجمل مبادرة قمت بها يا أم عماد..

نرجو ان تكرريها ثانية حتى نسعد..فعلا أفضل من (جلسة)البيت.. بارك الله فيك، قالت شكرا يا ستي.. وهيئي  نفسك على الأسبوع القادم كلنا قررنا المجئي عندك في بيتك.. ضحكت وقلت لها : انه ليس بيت.. انه كوخ قالت حتى إذا كان كوخ فانه يستطيع ان يجمعنا.. نظرت إليها وقلت ما قلت مع نفسي.. بعدها أخرجت   55 باونا وأعطيتها لليلى.. قالت بدورها تتصنع الخجل .. لم العجلة؟

قلت لها شكرا لكم لقد اشتريت درسا بـ 92 باونا  شكرا.. وحين وصلت الى كوخي..

رن جرس.. الو نعم ..
أهلا ابتسام.. نعم وأي مطعم؟

كم سعر الدخول أو بالأحرى كم علينا ان ندفع ثمن الوجبة؟

قالت ليس كثيرا.. فقط 50 باونا،

قلت لها وما هي المناسبة؟

قالت عيد نجاح ولدي .. نجاح ولدك ؟

رائع  رائع   ثم أغلقت سماعة التلفون.

أيـة الكرسي

نشرت في العدد 70 الصادر في 4 شباط 2010

صديقتي وأنا قطعنا تذكرتين سياحيتين ليبلد عربي من لندن، صديقتي تخاف جدا من ركوب الطائرات تماما مثل المغني المشهور محمد عبد الوهاب" رحمه الله"..
حيث كان يخشى ركوب الطائرات، سفهت لها موضوع ركوب الطائرة وقلت لها: مم تخافين؟
من الموت؟ الموت يأتي للإنسان سواء أكان راكبا على بعير أو جالسا في أرجوحة أو راكبا في طائرة أو نائم على سريره، لم هذا الخوف؟ فقفزت من مكانها..تقولين في طائرة؟
نعم ربما في طائرة..ولعلمك يا عزيزتي سندس، الموت في الطائرة يجلب لنا معاناة كثيرة من الألم والمرض والآلام المبرحة. بينما ونحن في الطائرة..ربما تقع بنا في وسط البحر فيهىء الله لنا سمكة قرش كبيرة أو حوته كبيرة فتبتلعنا قطعة واحدة...توكلي على الله واصعدي الطائرة وأنت مطمئنة وسيكون الله معنا.
قبلت ذلك على مضض..صعدنا واستقبلنا المضيفون والمضيفات بابتسامتهم الدائمة وأناقة ملابسهم وأخذنا مكانين على جناح الطائرة وما أن انتهت إجراءات الجلوس والتعليمات وشد الأحزمة أقلعت الطائرة تدريجيا ثم ظهرت الخارطة التي ستمر بها طائرتنا عبر المدن.عدة مدن منها ما يقع على البحار ومنها ما يقع على الصحارى وصاحبتي ما تزال خائفة..
فأمسكتني الضحكة وانفجرت ضاحكة من خوفها..
نظرت لي وقالت اضحكي..اضحكي.. (شكو عليج) ”أيكفي أنت متخافين“ بعدها فتحت حقيبة يدها فأخرجت قرانا صغيرا فتحته وبدأت تقرأ.. قلت لها وأي أية تقرئين؟ قالت: أية الكرسي. أحببت ذلك منها وبدأـ أنا بقراءة هذه الآية السحرية "اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ .
نظرت إلى وقالت: أراك قد حفظتها عن ظهر قلب؟
قلت لها: الكل يحفظها عن ظهر قلب يا عزيزتي.استمرت هي بالقراءة..نظرت إليها فرايتها قد نامت..بعدها أيقظتها لان وجبة الطائرة الغذائية قد أتت..أكلنا وتكلمنا ويبدو أن صاحبتي قد نسيت أنها في الطائرة.. فقلت لها: أرأيت كم هي أمينة وسهلة هذه الرحلة؟ ضحكت وقالت: قد أكون جبانة..لذا لا استطيع مواجهة الصعاب..وإلا علام ذلك التفكير الأسود في ركوبها؟
مضت ساعتان ونصف على تحليقها في الجو..
الجو داخل الطائرة بارد جدا فتناولت بطانية لي وأخرى لها من البطانيات الخاصة بالطائرة. ثم وضعت وسادتي لي وأخرى لها.
فقلت لها: لننام قليلا حتى ينتهي الوقت..وفعلا غفونا حوالي النصف ساعة استيقضنا بعدها على شرب الشاي..استهوتني البطانيتين والوسادتين لحجمهما الصغير فقررت أخذهما.. فبدأت بتطويتهما وترتيبهما..نظرت إلى صاحبتي وقالت: ماذا تفعلين؟
قلت لها: نأخذهما..اعتقد أنها من حقنا ما دمنا قد استعملناها يضاف إلى ذلك أن تذاكر سفرنا كانت غالية جدا..فاعتقد من حقنا أخذها..
هنا انتفضت صاحبتي وقالت: أنا لا شان لي بذلك..أنا أخاف أن أضعها بين أغراضي...ولم تضعيها بين أغراضك؟
فقط احمليها وساعديني.. سكتت على مضض ولم تمض دقائق على حديثنا هذا إلا وقد رأينا جميع المضيفين والمضيفات يتراكضون داخل ممرات الطائرة وقد سيطر الفزع عليهم جميعا وكل منهم يحمل قنينة غاز اطقاء الحريق الحمراء، نظرت صديقتي إليهم فزعة مرعوبة قائلة: ماذا ماذا ماذا؟
أجابها احدهم:لاشئ أختي لا شئ وهنا انطفأت جميع أنوار الطائرة وأصبحت مظلمة. أمسكت بيدها فرأيتها ترتجف من شدة الخوف.
اهدئي ياعزيزتي ليس هنالك ما يخيف، لم تجيبني.. ثم أدارت نظرها إلى باقي الركاب وكان أكثرهم من الأجانب وكانوا قد شربوا الكحول وناموا ولم يكونوا يعرفوا ماذا يدور حولهم حتى إذا سقطت الطائرة..قمت من مكاني فأجلستني المضيفة قائلة: رجاء لا تغادري المكان وشدي حزام الأمان، قلت لها: ما الذي حصل؟
قالت بلهجة مرتبكة:لا شئ لاشئ انه عطل بسيط وسوف نصلحه..عرفت منها أن الجزء الخلفي من الطائرة قد تعطل كهربائيا أو إنها فيوز أو ما شابه ذلك وقد حللت ذلك بنفسي اذار استمر الفيوز مخترقا ذلك الخط الطويل ما الذي سيحدث؟
أكيد ستكون هنالك كارثة..هذا وقد بقى على هبوطنا حوالي5 دقيقة في الوقت هذا رأينا جميع المضيفين والمضيفات متجمعون في مكان واحد وجميعهم قد أمسكوا لا اعرف بماذا؟
وهم يعانون الأمرين..هل هم يمسكون بالوايرات لإيقافها وإيقاف فعاليتها أم ماذا؟
لا نعرف..نظرت إلى صديقتي فرأيتها في أعلى حالات الياس، قلت لها كي اخفف عنها ما بك؟ فانفجرت بي صائحة:( كل هذا بسبب البطانيات والوسائد) اتركيها أرجوك حرام أخذها ضحكت بدوري وأمسكت بالبطانيات والوسائد.
وقلت لها: لا أريدها.. هل برد قلبك الآن؟
هل ارتحت؟
قالت: طبعا نحن سنموت وهي لا تفكر إلا بأخذ البطانيات، تركت وأدرت وجهي نحو ستاف الطائرة وهم في اشد حالات الذعر..بدأت الطائرة بالهبوط تدريجيا إلى ارض المطار وكان هبوطا مخيفا..بعدها رأينا أن باحة المطار كانت محاطة بسيارات الإطفاء الكبيرة وسيارات الإسعاف خوفا من حدوث شئ طارئ. وحفاظا على سلامة الركاب بعدها نظرت إليها وابتسمت وقلت لها الحمد لله على السلامة ورجعت ارتب البطانيات والوسائد كي أخذها معي.
التفت ناحيتي وأرادت أن تقول شيئا فسبقتها أنا إلى ذلك وقلت لها:
ها (عفية بني ادم شكد عينك قوية).

....................................................................

القلادة

نشرت في العدد 66 الصادر في 17 ديسمبر/كانون الأول 2009

رأيتها رقيقة جميلة...
ممشوقة القوام...
محتشمة الملبس..
باسمة الوجه..
مجاملة حد الارتقاء..
معرفتي بها كانت في سدني، قالت لي مبتسمة:
تذكرت فيك العراق وتذكرت أمي وأهلي وعائلتي وكل من يخصني.. أجبتها وأنا كذلك أيتها الفاضلة..
فأحنت رأسها الي أسفل وساد صمت رهيب كسرتها أنا بالسؤال عن عملها.. وهل هي سعيدة؟
أجابتني والحيرة تملأ عينها نعم أنا ست.. ولم تكمل جملتها..
لفت انتباهي إنها حينما كانت تتكلم معي كانت تمسك بقلادتها وتضعها بشكل عفوي بين شفتيها..ابتسمت بوجهها..
لكن كنت أحس إن هناك شيء غير منظور.. شيئا لا أدركه... وعندما رفعت رأسها.. رأيت دموعا غزيرة تتساقط من عينيها وتسقط على خديها الجميلين منحدرة عبر رقبتها مبللة تلك القلادة التي تمسك بها باستمرار قلت في نفسي
هكذا الحب وإلا فلا!!) من أين نستطيع أن نحصل على حب في هذا الزمن الخائن؟
سألتها:
هل تسمحي لي برؤية قلادتك أيتها الفاضلة؟
أدنت رقبتها مني فشممت رائحة كرائحة المسك تحيط بقلادتها...
جعلتني أرى ما بداخلها... استغربت وقلت لك كل الحق حين تفكرين فيه وتصمتين لأجله انه جميل جدا...
قالت: كنت احلم وأتمنى أن يأتي إلى سدني ويزورني فكان يقول لي: صدقيني سآتي.. ولكن بعد أن احصل على شهادة المحاماة كي أجعلك تفخرين بي.. حينها كنت افرح لسماعي قوله هذا وارفع راسي إلى السماء داعية له بالخير. احنت رأسها مرة أخرى وابتسمت ثم قالت:
رن جرس الهاتف في منزلي في سدني... الو؟ ماما ؟ مرحبا بك يا أمي.. والله صدقيني أنت في هذه اللحظة على بالي ولكن سبقتيني لذلك لم اسمع ردة فعل لكلامي فقط أسمع بكاء عبر آلة الهاتف... تكلمي يا أمي ما لذي حصل؟
انقذيني عفاك الله ... عندها سمعت كلمة واحدة فقط ... لقد أخذوه! من؟ فلم اسمع بعدها أي كلمة... بقيت لا اعرف ماذا افعل... أنوح وانتقل من مكان لأخر في بيتي... اتصلت هاتفيا بزوجي وما هي إلا لحظات وقد رايته أمامي كان قد احتضنني وامسك راسي بيديه الحانيتين وهون علي.. ثم عاود الاتصال بعائلتي مرة أخرى..لا جواب، خرجت أمي هائمة على وجهها ولا احد في البيت.. الكل مغادر لا نعرف بمن نتصل... انتظرنا ساعات طويلة ولم نعرف ما هي النتيجة، عندها وفي منتصف الليل سمعت هاتفا يرن وفرق الوقت كبير بين سدني والعراق... سمعت صوت أمي يقول: حتى الآن لا نعرف عنه شيئا.. صبرك الله يا أمي... سترين انه سيأتي فقط اصبري.. اتق الله في نفسك وصحتك، في هذه الأثناء وأنا أصبرها على بلواها سمعت احدهم يتكلم مع والدتي.. فقد تركت أمي سماعة التلفون وذهبت لفتح الباب ثم رجعت الي قائلة : اتو به فعلا بعد أن عذبوه وثقبوا جسده الجميل بالمسامير ... انه الآن جنبي مسجي آه يا ولدي... ما الذي فعلته لهم حتى يفعلوا بك ذلك؟
بعدها يا سيدتي اختفت جميع الأصوات.. لم اسمع بعد ذلك لا صوت أمي ولا صوت أخي... توالت علينا الكوارث في هذه السنين العجاف.. فقدنا27 شخصا من عائلتنا... بعدها احنت رأسها وتذكرت قول أحد الشعراء حين يقول:
سأصبر حتى يعلم الصبر إنني صبرت على صبر أمر من الصبر

شكرا لطوق رقبتك حينها عرفت سر قلادتها قد وضعت صورة أخيها في رقبتها حبا وعهدا ووفاء لذلك الشهيد الذي صعدت روحه الطاهرة البريئة إلى خالقها وبارئها راضية مرضية.

إنها صديقتي وستبقى صديقتي ما دام النهر يجري.


------------------------------------------------------------------------------

 

آجا آجا

بقلم: فوزية الشندي


شاءت الظروف أو القضاء والقدر أن يحصل لي حادث سيارة مريع على طريق بغداد الدولي.. هذا الحادث كسر جزءا كبيرا من جسمي بما فيه أضلاعي وأرجلي والاهم من ذلك وجهي.. المهم نحمد الله على ما تبقى من أعضاء في جسمي ونفسي يصعد وينزل.. وعقلي سليم.. والباقي يتصلح.
ذهبت إلى لندن للعلاج وبقيت هناك حيث أجريت لي فحوص للعظام وأخرى للترميم وأخرى للتصليح وبقى جزء عندي وعند أي إنسان هو الوجه. بدوري أنا قد أحضرت بعض المجلات التي كنت فيها الغلاف الأول لأريها إلى طبيبي المستر – هاكت – وهناك عندما يتجاوز الطبيب مرحلة كبيرة ومتطورة في الطب يسمى " مستر".. قرر أن يجري لي عملية ترميم وتصليح أو قل تجميل للأجزاء التي أحدثها ضرر الحادث في وجهي، رفعت المجلات في يدي وقلت له: هذه أنا آو هكذا كنت أنا.. نظر الي واثقا من كلامه: ليكن في علمك أنا لا استطيع أن ارجع لك شكلك السابق ولا أن اجعل منك فينوس آلهة الجمال.. علينا فقط أن نعمل التوازن الذي يتطلبه الوجه بصورة عامة وبعدها نرى ما سيحدث.. وافقت على مضض.. وتذكرت أطباءنا العراقيين الأذكياء والمبدعين في كل مجالات الطب ثم سلمت أمري إلى الله والواحد القهار لعل العملية تكون ناجحة.. حدد يوم العملية واتى طبيب التخدير وتكلم معي لم افهم منه سوى" سمايل بليز " SMILE PLEASE ابتسمي من فضلك بعدها لم أرى نفسي إلا والممرضة جالسة بجنبي.. فقلت لها: أين أنا الآن؟ قالت بابتسامة صادقة: لقد خرجت من غرفة العمليات.. شعرت كأني مشدودة إلى عربة يجرها حصان قوي.. كل شئ أصبح قويا ومضبوطا بشكل لا استطيع من خلاله التعبير.. تحسست وجهي بيدي فرأيت أن وجهي كله قد شد بلفافات قوية ولم يظهر من وجهي سوى فتحتي عيني وفمي..استعنت بالله وشكوت ذلك الشاب الصغير الذي دعمني بسيارته الفارهة التي سرقها من والده ومعه شلته لكي يتباهى بها.. سامحه الله على هذا المصير الذي دفعني إليه كل ألبستي بيضاء.. ثوبي ابيض وله أكمام عريضة.. ولفافات وجهي بيضاء.. وسريري ابيض.. ولون الغرفة ابيض وكل ما يحيط بي ابيض في ابيض احتجت الذهاب إلى الحمام وهو قريب من الغرفة وفتحت الباب بهدوء لان الوقت كان منتصف الليل ودخلته.. وهناك حلت الكارثة.. سمعت أحداهن تصرخ بوجهي صرخة مفزعة ( أوه ماي كاد ) ثم سقطت على أرضية الحمام مغمى عليها.. نظرت إليها ما بك؟.. لا جواب اغمي عليها من هول المنظر الذي أنا فيه... يبدو إنها كانت منحنية ومندمجة بتنظيف الحمام وعندما رفعت رأسها ناحيتي اعتقدت إنني إحدى المومياءات المصرية قد ظهرت لها فجأة.. هذا ما قالته الممرضة حين سحبوها من الحمام لإنعاشها بعد أن أخبرتهم أنا بذلك.. وفوق هذا وذاك أتت إلى غرفتي تعتذر مني ( تصوروا) حسن السلوك عندها.. واعتذرت أنا أيضا ومرت الحادثة بسلام. الوقت يمر بطيئا وطويلا وخاصة بعد وجبة الغذاء التي هي عبارة شوربة مائية يغددونها بها من خلال قصبة.. انتظرت زوجي ولكنه تأخر .. وانتظرت وانتظرت لكي يراني ويرى وضعي بعد العملية وبعد التي واللتيا أتى واقترب من سريري.. لا يستطيع الكلام.. وقد رأى حالتي هذه فمن خلال الضمادات واللفافات التي لفني بها طبيب العملية نظرت إليه فرأيت شيئا غريبا عيناه حمراوتان.. ودموعه تتساقط وهو ينظر إلي.. حركت يدي اليسرى امسك يده لأواسيه على ما حصل لي على قدري هذا واخفف عنه ألمه وقلقه علي.. واستمر حانيا رأسه ثم اخرج منديلا من جيبه واخذ يمسح دموعه ولكن الدموع مستمرة تتساقط على خديه وقسم منها سقط على يدي اليسرى. عندها تأكد لي شيء مهم شعرت إنني قد ظلمت هذا الرجل..لأنني كنت لم اشعر في حياتي كلها معه انه تألم علي يوما مثل ما تألم اليوم.. ضغطت على يديه حبا وتقديرا واحتراما لمشاعره.. وروادني شعور كبير بالندم لعدم معرفة حقيقة مشاعره تجاهي طيلة تلك السنين.. قلت له من بين الأضابير التي لفت على وجهي: ماذا نعمل يا عزيزي؟ نحمد الله على هذا الحال ولا غير حال. أرجوك لا تؤذي نفسك.. أرجوك لا تجعل ضميري يؤنبني.. أرجوك لا تبكي فأجابني لهفي عليه أجابني والدموع تتساقط بغزارة من عينيه:كل هذا كان بسببي قلت لماذا؟ وما يخصك أنت؟ انه حادث قضاء وقدر
أجابني: أنا الذي ذهبت إليه برجلي.
قلت: وما هذا الذي ذهبت إليه برجلك؟
قال: أجا أجا منذ خرجت منه والدموع تتساقط من عيني كهطول المطر.
قلت: أجا أجا ؟
قال: نعم .. أجا أجا.. المطعم الهندي الذي يقع في رأس الشارع القريب من المستشفى.. وقبل أن أفكر في المجيء إليك كنت جائعا فدخلت هذا المطعم انه يضع أقسى وأقوى البهارات في أكلاته.
قلت في نفسي: أجا أجا يا لي من مغفلة وما ا كثرنا نحن المغفلات في هذا العالم..
أجا أجا إذن ؟

---------------------------------------------------------

مقالات العودة الى

 
 


 

 

Visitors Counter

wordpress visitor

 

 

 

HOME      NEWSPAPER      PROFILE      OUR WRITERS      CONTACT US      HELP      FEEDBACK      LINKS      CAREERS
Panorama Newspaper© 2009 • Privacy PolicyTerms Of Use