| |
| |

أمينة المفتي- صائدة الخونة
أمينة داوود المفتي من مواليد العاصمة الاردنية عمان ومن أسـرة الصويلح الراقية والمثقفة ولدت في 1939 درست في عمان حتى المرحلة الثانوية في 1957. التحقت أمينة بجامعة فيينا لتدرس الطب النفسي و حصلت على شهادة بكالوريوس في 1961 ومن ثم عادت إلى عمان في نفس السنة و لكن اختلاطها بالمجتمع الغربي كان قد أثر عليها مما جعلها تعود إلى النمسا بحجة إكمال دراستها العليا والحصول على الدكتوراه وفي 1967 بعد هروبها من عمان تزوجت من (( موشية بيراد)) طيار عسكري برتبة نقيب ، وفي 1972 هاجرا إلى إسرائيل بعد إلحاح أمينة أو (أنى موشية) بعد أن أعتنقت اليهودية ((بسبب خوفها من إنتقام عائلتها منها وخصوصاَ أن خالها كان لواءاَ فى القصر الملكى)) وإقناع زوجها أنه مرحب به فى إسرائيل كطيار حربى ، 1973 قام موشية بالطيران باتجاه الجبهة السورية فــأسقطتة مدفعية السوريين و أعتبر مفقودا منذ ذللك الوقت. في نفس السنة كلفت أمينة بأول مهمة لجهاز الاستخبارات الاسرائيلية (الموساد) للتجسس على الفلسطينين في بيروت وعلى رأسهم علي حسن سلامة ، وهكذا انتقلت لتعيش في بيروت وعملت كممرضة بعد عدة محاولات فاشله . و في أكتوبر 1973 عادت أمينة إلى بيروت لتكمل مهمتها هناك وقد أكتشفت حقيقتها على أيد (على حسن سلامة) والمخابرات الفلسطينية في 1975 و تم أعتقالها إلى 1980 حيث تم تبادلها بأسـرى فلسطينين بمطار قبرص الدولي ، ورجعت أمينة المفتي إلى اسرائيل. |
بقلم صلاح الامام- ولدت أمينة داود المفتي في عمان عام 1939 لأسرة شركسية مسلمة، هاجرت إلى الأردن منذ سنوات طويلة، والدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها لواء في البلاط الملكي، أما أمها فكانت سيدة مثقفة تجيد لغات عدة، وذات علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي. كانت أمينة أصغر أخواتها، تميزت بذكاء غير عادي وطموحات كبيرة، وكانت على رغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من تقاليد الشرق وقيوده وتحلم بالحب والانطلاق.
عام 1957، التحقت أمينة بجامعة فيينا وأقامت في المنزل رقم 56 شارع يوهان شتراوس أسابيع عدة، قبلما يفتح القسم الداخلي أبوابه لإقامة الطالبات المغتربات.
جمعتها الحجرة بطالبة في نهائي الطب تدعى جولي باتريك من جوهانسبرغ، ذات خبرة كبيرة بالحياة الأوروبية. علّمتها جولي التدخين وحذرتها من العلاقات مع الشباب حيث الحمل والإجهاض، وحببتها بالفتيات لتكون في مأمن، فشذّت أمينة، وتدريجياً أدمنت الفعل الخبيث حتى الثمالة، فقد رأت فيه انطلاقتها وتحررها من قيود الشرق.
مرت سنوات الدراسة في جامعة فيينا، وحصلت أمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي وعادت في أغسطس (آب) 1961 إلى عمان مكرهة، تضج بالمعاندة والنفور، وتحمل في داخلها طبائع أخرى وأحاسيس مختلفة وآلام الهجرة الى القيود والرقابة.
في غمرة معاناتها وكآبتها، تذكرت حبيبها الأول، الشاب الفلسطيني «بسام»، فجابت عمان طولاً وعرضاً بحثاً عنه، وهزتها الحقيقة المرة عندما علمت بزواجه، حاصرتها الهموم، ولم تجد حلاً لأزمتها إلا السفر ثانية إلى النمسا، بدعوى استكمال دراستها العليا لنيل الدكتوره، عازمة على ألا تعود إلى الشرق أبداً.
اعتناق اليهوديّة
كان عمرها حينما عادت مرة أخرى إلى النمسا تجاوز الثالثة والعشرين، جذبتها حياة الحرية والإنطلاق في أوروبا، وسلكت مسلك فتياتها في العمل والاعتماد على النفس، غير عابئة بما كان يرسله لها والدها من مصروف شهري، فعملت بورشة صغيرة للعب الأطفال، وساقت اليها الصدفة فتاة يهودية تدعى سارة بيراد، شاركتها العمل والسكن والشذوذ، فالتصقت بها أمينة، وسرعان ما انخرطت معها في تيار الهيبيز، الذي انتشرت جماعاته في أوروبا في تلك الحقبة، وعرف في الشرق باسم «الخنافس»، وذات مرة قامت بزيارة لمنزل أسرة صديقتها اليهودية سارة، دق قلبها فجأة بقوة لم تستطع دفعها، فقد كان موشيه – شقيق سارة الأكبر – شاباً لا يقاوم، ساحر النظرات والكلام، حيوي الشباب، ذا طلعة جذابة.
عرفت أمينة أنه طيار عسكري برتبة نقيب، ويكبرها بنحو سبع سنوات تقريباً، شاعري، مهووس بموتسارت وبيزيه، ولوع بالشعر الأسود ونجلاوات الشرق.
في نزهة معه، عرفت بين أحضانه معنى المتعة الحقيقية، لقد كانت غبية حينما جرت وراء المتعة مع مثيلاتها، فغرقت معه في الحب، على رغم أنها مسلمة وهو يهودي، وتعددت لقاءاتهما المحرمة وتحولت أمينة بين يديه إلى امرأة لا تدخر وسعاً في إسعاده، وتغلبت على ضميرها قدر استطاعتها وهي تدعي لنفسها الحق في أن تعيش، تحيا، تجرب، وتمارس الحب بلا ندم في بلاد لا تعترف بالعذرية والعفاف.
مرت خمس سنوات في انحلال وتردٍّ، متناسية سبب مغادرتها وطنها إلى فيينا، وبعد جهد ساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراه مزورة في علم النفس المرضي، وهو فرع من علم النفس الطبي، وعادت أدراجها إلى الأردن في سبتمبر (أيلول) 1966 ليستقبلها الأهل في حفاوة وفخر، ويطالبونها بإعلان موافقتها على الزواج من ابن عمها، لكنها تطلب منهم إمهالها حتى تفتتح مستشفاها الخاص في عمان.
وبينما تسير إجراءات الترخيص للمستشفى بشكلها العادي، وقع خلاف بينها وبين وكيل الوزارة المختص، فتشكوه إلى وزير الصحة الذي أبدى اهتماماً بشكواها وأمر بالتحقيق فيها على وجه السرعة، فتتشكك اللجنة القانونية في تصديقات الشهادة العلمية، وتطلب منها تصديقات جديدة من فيينا، وخوفاً من انكشاف التزوير وما يصاحب ذلك من فضيحة لها ولأسرتها، سافرت أمينة إلى النمسا ناقمة على كل شيء في بلدها، وأسرعت إلى موشيه يعاودها الحنين، غير عابئة بانكسار وطنها العربي بنكسة 1967، فكانت تعلن شماتتها بلا حرج أو خجل، إذ طفحت منها الكراهية لكل ما هو عربي، وما يمت للعرب بصلة.
في جلسة خلوية تفيض بالمشاعر، فاجأها موشيه بطلب زواجه منها، فلم تتردد، لكنه أكد لها أنه يريده زواجًا رسميًا يتم في المعبد اليهودي، فلم ترفض.
في معبد شيمودت، اعتنقت أمينة اليهودية، وتزوجت من موشيه زواجاً محرماً شرعاً، واستبدلت اسمها بالاسم اليهودي الجديد (آني موشيه بيراد) .
في إسرائيل
في صيف 1972، قرأت أمينة إعلاناً غريباً في إحدى الصحف، تطلب فيه إسرائيل متطوعين من يهود أوروبا للالتحاق بجيش الدفاع، مقابل مرتبات ومزايا عدة مغرية، تصورت أمينة أنها عثرت
على الحل المثالي لمعاناتها، وأخذت تعد العدة لموشيه لإقناعه بالفكرة، خصوصا أنه سيحصل على جواز سفر إسرائيلي، ومسكن في إسرائيل، وأنها بمرافقته إلى هناك ستودّع الخوف إلى الأبد.
لكن موشيه الذي كان يسعى للعمل في إحدى شركات الطيران المدنية عارض الفكرة ورفضها، بدعوة أن إسرائيل والعرب في حالة حرب لن تهدأ حتى تشتعل، طالما أن هناك أرضاً محتلة وشعوباً عربية ثائرة، لكن مع إلحاحها المتواصل ليل نهار، تقدم موشيه بأوراق إلى السفارة الإسرائيلية، وفي نوفمبر تشرين الثاني 1972 كانا يطيران بطائرة العال إلى إسرائيل.
حظيت أمينة، التي أصبح اسمها آني موشيه، باستقبال رائع في مطار اللد الإسرائيلي، استقبال تحير له موشيه كثيراً وظن لأول وهلة أن زوجته إما أن تكون شخصية مرموقة ومعروفة في عمان، أو أنها ممثلة إسرائيلية شهيرة.
بعد أيام قليلة، استُدعيت أمينة إلى إحدى الجهات الأمنية، حيث سئلت مئات الأسئلة عن نشأتها في الأردن، عائلتها، وظائف أقاربها ومعارفها، كيفية تعارفها وموشيه وزواجهما، فأجابت في سرد طويل. سئلت أيضاً عما تمثله إسرائيل بوجدانها، وعن مشاعرها تجاه الأردن والفلسطينيين، فأقرت بأنها تكره منظمة التحرير وكل المنظمات الفلسطينية، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندما لم يقتلهم جميعاً في الأردن، فهم يكرهون – على حد تعبيرها - الأقلية الشركسية في الأردن، ضربوا بيوتها وأتلفوا ممتلكاتها، ظناً منهم أن عمها – اللواء بالبلاط الملكي – كان وراء مذابح سبتمبر/ أيلول 1971، وأحد مرتكبيها.
حادث موشيه
خضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبة رائد طيار في سلاح الجو الإسرائيلي. في آخر يناير/كانون الثاني 1973 طار بطائرته الـ سكاي هوك باتجاه الجبهة السورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له واعتبر مفقوداً منذ تلك اللحظة، لأن سورية لم تعلن عن أسر الطيار الإسرائيلي كما كان يحدث، لكنها أعلنت أن الطائرة انفجرت في الجو
وقائدها في داخلها.
لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة ظلت تصرخ صرخات هستيرية لا تتوقف، وفي عيادة كوبات حوليم هستدروت للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها، أو لنقل إن صدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت، وبعد شهر ونصف الشهر تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك في البيان السوري، وبأن موشيه لا يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات، فهو طيار ماهر وقدراته عالية جداً.
في تصرف جريء، تقدمت أمينة بطلب إلى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر إلى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها، وما هي إلا أيام قليلة حتى طارت بجواز سفرها الإسرائيلي إلى فيينا،
فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم أيامًا عدة حاولت خلالها أن تتنسم عبير الحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً في أطراف العاصمة، وفي الشقة التي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعد والستائر والوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه وأسطواناته وأحذيته.
بصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغادر الشقة. حملت أمينة حقائب حزنها وتوجهت إلى المطار، وبجواز سفرها الأردني طارت على أول رحلة إلى بيروت ونزلت في أحد الفنادق.
في رحلة تجوالها، تعرفت الى سيدة لبنانية من أصل أردني تدعى خديجة زهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرب إليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة في حي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها. وبعد رحلات عدة بين بيروت ودمشق، فشلت أمينة في الوصول إلى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قُتل لا محالة، فغادرت بيروت إلى فيينا تخنقها عبرات الأسى والغربة.
في شباك الجاسوسيّة
في شقتها في فيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفي اليوم التالي استقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون،
مهمتهم إنهاء إجراءات الإرث الخاص بها، من دون إثارة مشاكل مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء في النمسا، أو في إسرائيل،.كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليون دولار، مع الشقة الأنيقة، وضمانات حماية وأمن فوق العادة،
وكان المطلوب منها أن تتعاون معهم لقاء ذلك وتنفذ ما سيُطلب منها بلا تردد، فبمقاييس المخابرات، تعد أمينة كنزاً ثميناً لا يقدر بمال، فهي امرأة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع نفسي سيئ مليء بالخوف، ولا مأوى لها سوى في إسرائيل، وكان لا بد من استغلالها واستقطابها، بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كان يمثل لها الأمن والحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة إليهما من بعده.
كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة التي تحمل الجنسية الأردنية والنمساوية والإسرائيلية، لم تكن بحاجة إلى كل هذا التخطيط والتمويه لجرّها إلى عش الجاسوسية والعمل لصالح الموساد ضد وطنها وشعبها. إنها غارقة في الضعف، اليأس، والضياع، وبعدما باعت الدين والوطن فهي لا تملك أثمن منهما لتبيعه، لم تعر للشرف انتباهاً، خلعت ثوب الشرق المحتشم وفرّطت في عقيدتها وعروبتها وعفتها، لذا لم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها، مستغلين ضعفها الإنساني ووحشتها، عازفين على أوتار كراهيتها للعرب،وللفلسطينيين على وجه الخصوص. لا تقر الجاسوسية في عرف أجهزة المخابرات بمبدأ الرحمة، ولا تستجيب بأية حال لنداءات الضمير، إنه عالم يفتقد العواطف، ولا وجود للمشاعر تحت سمائه.
هكذا سقطت أمينة في مصيدة الجاسوسية وأسلمت مقودها للضباط الثلاثة، الذين أقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعة أيام في شقتها في فيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، تشفير، التقاط أخبار، كيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.
دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام، الهرب من المراقبة، واستخدام المسدس، واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام من دون نسيانها. كانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلم سينمائي، ويطلبون منها الإجابة عن أمور دقيقة فيه مثل: كم طبق كان على المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة في النجفة؟ كم عدد درجات السلم؟ أجادت آني موشيه دورتها الأولى في التجسس وأصبحت أكثر إصراراً على الانتقام والتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فُقد بالقرب من الجولان والجنوب اللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال حبها للعمل مع إسرائيل ضد العرب.
غادرت أمينة فيينا إلى بيروت هذه المرة، لا للبحث عن زوجها، وإنما للانتقام له، مهمتها المحددة تقصّي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية ورجال المقاومة الذين يؤرقون أمن إسرائيل ويحيلون ليلها إلى نهار لشدة القصف والتفجيرات الفدائية، كانت أيضاً مكلّفة بالتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل إلى الأرض المحتلة والتغلغل داخلهم لمعرفة أعداد الفدائيين، تدريبهم، تسليحهم ومدى مهارتهم في التخفي والمناورة، ومخازن الأسلحة والإعاشة.
مصيدة الجسد
في بيروت، استأجرت أمينة أو «آني موشيه» شقة في إحدى بنايات الروشة، أجمل مناطق بيروت، ومن شرفة شقتها كان أمامها البحر اللانهائي، وعلى بعد خطوات منها يقع مقهى الدولشي فيتا أشهر مقاهي بيروت، حيث المكان المفضّل للفنانين والمثقفين والجواسيس والسياح. كان الأمر الوحيد الذي يضايقها، انقطاع الحرارة عن الهاتف، فقصدت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت
منها المساعدة. اتصلت خديجة في الحال بمانويل عساف موظف التلفونات، الذي ذهب بنفسه إلى أمينة في اليوم التالي، ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات في الشبكة، ووعدها بأنه سيسعى في القريب للتوصل إلى حل. منحته أمينة خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى منحته جسدها أيضاً، إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لهواتف
وعناوين القادة الفلسطينيين، فهي باعت سابقا الدين والوطن والأهل، فلم تجد غضاضة في بيع نفسها لمانويل، الذي خر مستسلماً أمام امرأة جميلة تفوح من جسدها رائحة الأنوثة والرغبة، لقد شلت إرادته وأذهبت عقله وحاصرته، فلم يعد يملك حيلة للفرار. أقبل عليها في شراهة ونهم، باعتقاده أنه ظفر بأنثى جميلة، بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بدت بين أحضانه في أقصى
حالات الضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة، وهكذا تفعل النساء في عالم المخابرات والجاسوسية، فالجنس عندهن وسيلة فحسب لا هدف.
صُدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهو مجرد فني صغير لا يملك قراراً، فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعت نفسها بأنها فشلت في تجربة أولى، وحتماً ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عساف الوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارون الحايك – بيده كل شيء ، لذلك صارحه بما حدث، واصطحبه
إلى شقة أمينة. كان الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس على المحادثات الهاتفية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيد جديد، وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت، لذلك تركت جسدها له ينهشi وأحاطت عقله بسياج من غباء، فكان يجيب عن
كل أسئلتها، وأطلعها – بعد لقاءات عدة – على التلفونات السرية للمنظمات الفلسطينية، وزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم في حي الريحانة الشهير. بواسطة صندوق بريد ميت، صبت أمينة كل ما تفوه به الحايك في خطاب من صفحات عدة، تسلمه عملاء الموساد في بيروت، لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحرك من دون انتظار، فالمطلوب منها هو الحصول على القوائم السرية لرجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا وصفاتهم، ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال مكتب ياسر عرفات شخصياً، أو مكتب رئيس جهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم، والذي أطلقت عليه غولدا مائير لقب «الأمير الأحمر » ، لأنه بطل عملية ميونيخ التي قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً.
علي حسن سلامة
كانت الحياة في بيروت آنذاك يونيو (حزيران) 1973) لها مذاق رائع، ومع عطلة نهاية الأسبوع تزهو أجمل فتيات لبنان داخل الفنادق والأندية، وحمامات السباحة، يلعبن الغولف والتنس، ويرقصن الديسكو، ويشاركن في مسابقات الجمال.
وسط هذا الجو الذى يموج بالمرح والحسن والشباب، اعتاد علي حسن سلامة أن يعيش بعض أوقاته، يرافقه أحياناً فتحي عرفات، شقيق ياسر عرفات، رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
عندما اختيرت جورجينا رزق ملكة جمال الكون، اختطفها سلامة وتزوجا في حدث كان له صدى كبير، مما جعله مطاردا دائماً من فتيات لبنان، لكنه كان مشبعاً بكل جمال الدنيا بين يديه، ولأن المخابرات الإسرائيلية كانت تجهل صورته أو ملامحه، وفشلت كثيراً في اقتفاء أثره لاغتياله، خصوصا بعد عملية ميونيخ بالذات، فقد كان المطلوب من أمينة التسلل إلى مخبئه والحصول على قوائم بأسماء قيادات وعملاء المخابرات الفلسطينية في أوروبا. كان سلامة أحد مساعدي عرفات والمختص بحراسته، ثم أوكل إليه الاخير بمهمة جديدة، وهي رئيس الأمن والمخابرات التابعة لمنظمة فتح وقوات الحرس الداخلي - التي يطلق عليها القوة 17 - وهي القوة التي أطلق عليها عرفات اسم «المنتمين إلى قيصر روما القديمة»، والحصول على القوائم السرية للقيادات الفلسطينية والأعضاء البارزين في المنظمات في أوروبا، أمر مهم جداً ومطلوب لتفكيك أوصال القيادة في بيروت وعزلها عن الآخرين في كل قارات العالم، وفي هذا إجابة عن سؤال: لماذا السطو على أوراقه بدلاً من اغتياله؟
هكذا كانت مهمة أمينة في بيروت، مهمة حساسة للغاية، لو استطاعت القيام بها فكل ميادين إسرائيل لا تكفي لوضع تماثيل لها فيها، وفي لقاء حميم بشقتها مع الحايك، سألته عن عرفات وأبو إياد وغيرهما، فأجاب بأنه يعرفهم جيداً، ولأيام طويلة ظلت تمنحه جسدها، وتنفق عليه بسخاء عندما أكد لها أنه يعرف سلامة، بل والفندق الذي يرتاده، فاصطحبته مراراً لفندق كورال بيتش ليدلّها عليه، لكن الأيام تمر والحايك يستمتع بجسدها وبأموالها من دون أن يظهر لسلامة أثر.
تملّكها يأس قاتم لفشلها، وفكرت كثيراً في مغادرة بيروت إلى تل أبيب تجر أذيال الخيبة، لكن طرأت في خيالها فكرة جديدة عملت على تنفيذها بأسرع وقت، إذ انتقلت إلى شقة أخرى في كورنيش المزرعة، وهي منطقة شعبية يرتادها التجار من قاطني المخيمات الفلسطينية في بيروت. للوهلة الأولى أحست بتفاؤل كبير، بعدما تعرفت الى ممرضة فلسطينية تدعى شميسة، تعمل في عيادة
«صامد» بمخيم صبرا. قدمتها شميسة إلى مدير العيادة، الذي أوضح لها أن أطباء كثرا من كل دول العالم، يشاركون في علاج الفلسطينيين كمتطوعين، فعرضت عليه أمينة خدماتها التطوعية وأطلعته على شهاداتها المزورة فطلب منها الانتظار لأيام عدة حتى يخبر رؤساءه. جاءتها أخيرا الفرصة الذهبية للامتزاج بالفلسطينيين، وبدأت مرحلة العمل التجسسي الأوسع.
صائدة الخونة
مساء 22 يوليو (تموز) 1973، رن الهاتف في شقة أمينة المفتي، وكان على الطرف الآخر مارون الحايك، الذي أسر إليها ببضع كلمات ألجمتها، فوضعت السماعة بتوتّر وأسرعت تفتح التلفزيون، لقد صدمها المذيع وهو يعلن نبأ اعتقال ستة من رجال الموساد في أوسلو، بينهم امرأة، بتهمة قتل «غرسون » مغربي بالرصاص، ظنوا أنه الفلسطيني علي حسن سلامة، وقد اعترف المعتقلون بأنهم ينتمون إلى الموساد، ويشكلون فيما بينهم فريقاً للقتل اسمه الرمح، وجاؤوا خصيصاً من إسرائيل لتعقّب سلامة واغتياله. ارتجّت أمينة وتملّكها الهلع على مصيرها، وتساءلت: لماذا يتعقبون سلامة لاغتياله بينما طلبوا منها خلاف ذلك؟
كانت اللعبة أكبر بكثير من تفكيرها، فأمور السياسة والمخابرات تتشكل وفقاً لمعايير أخرى وحسابات معقدة، وللمرة الأولى منذ فقدت زوجها موشيه، تشعر برغبة أكيدة في الاستمتاع بالحياة، فأسرعت في اليوم التالي، برفقة الحايك إلى فندق الكورال بيتش، متلهفة إلى الالتقاء بسلامة. أخذتها المفاجأة عندما أشار الحايك ناحية حوض السباحة قائلاً لها: أنظري.. هذا علي حسن سلامة. في ذلك الوقت، كان سلامة في 33 من عمره، رياضي.. وسيم.. أنيق، يصادق جورجينا رزق ملكة جمال الكون، وهي فتاة عمرها 21 عاماً، تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في بيروت لأب لبناني وأم مجرية، انتخبت في السادسة عشرة من عمرها ملكة جمال لبنان، وبعدها بعامين ملكة جمال العالم، وكانت الوحيدة من بلاد العرب التي دخلت مسابقة «ميامي بيتش»، وهكذا أصبحت رزق أشهر امرأة في العالم، يحلم بها كل الرجال، وكان الجميع يريد التعرف الى الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل، والعينين الخضراوين، والجسد الأسطوري. حتى جيمي كارتر- حاكم ولاية جورجينا وقبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع ملكة جمال الكون وهي ترتدي فستان السهرة الأسود. انشغلت رزق بالفتى الوسيم مفتول العضلات ذي الجسد الرياضي الممشوق، وانشغل بها هو أيضا.
جلست أمينة تراقب سلامة بحذر وهو يستحم، وعلى مقربة منه وقف رجلان من حراسه تنتفخ أجنابهما بالسلاح. رسمت صورته في خيالها، وداومت على زيارة الكورال بيتش مرتين أسبوعياً بشكل منتظم، وكانت كثيراً ما تلتقي بسلامة الذي اعتاد رؤيتها، وابتسامتها وجمالها البسيط الهادئ، وذات مرة وصل إلى الفندق واتجه إلى الداخل حيث حجرته، لكنه عرّج فجأة على مائدة أمينة وانحنى على ظهر المقعد المواجه في أدب وسألها أسئلة عدة، ثم سحب المقعد وجلس قبالتها لأكثر من نصف الساعة.
بواسطة سلامة، انفتحت أمام أمينة كل الأبواب الموصدة، إذ أصبحت محل ثقة الفلسطينيين، طالت علاقاتها بالقادة ياسر عرفات نفسه، فاستعادت حيويتها وثقتها بنفسها وانخرطت في صفوف المقاومة تضمد الجروح وتبث فيهم الحماسة والاستماتة في الكفاح. كانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين في الجنوب، بصحبة مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لدخول كل المناطق
المحظورة، فكانت عيناها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها، وأذناها أجهزة تسجيل متطورة، انقلب عقلها إلى آلة جبارة من القوة بحيث لا يرهقها تزاحم المعلومات، أو رسم الخرائط بدقة متناهية، أو حفظ مئات الأسماء والمواقع، أو تذكّر أنواع الأسلحة وأساليب التدريب. لم تدخر جهداً في البحث عن كل ما يهم الإسرائيليين في لبنان. زارت ياسر عرفات في مكتبه ثلاث مرات لتطلعه بنفسها على سلبيات عدة واجهتها في الجنوب اللبناني، واهتم الزعيم بمقترحاتها وأفرد لها مساحة طويلة من الوقت للاستماع إليها. أوصى في الحال بالتحقيق مما قالته، وتلافي الأخطاء التي تعوق حركة المقاومة في الجنوب، فتقربت أمينة بذلك من الزعيم الفلسطيني وأصبح مكتبه مفتوحاً دائماً أمامها.
لقاء مع جاسوس الميج العراقي
حدث أن كانت في مقهى «الدولشي فيتا»، حيث شاطئ الروشة المتعرّج الخيالي، حينما توقفت فجأة أمامه سيارة جيب عسكرية، ونزل منها ثلاثة رجال فلسطينيين، اتجهوا مسرعين إلى حيث تجلس تشرب أمينة القهوة، واصطحبوها إلى مخيم شاتيلا للمساعدة في علاج مصابي إحدى الغارات الإسرائيلية. بعد أن أنهت عملها في مستشفى مخيم شاتيلا، استأذنت للسفر إلى فيينا لتسجيل اسمها لدى إحدى جمعيات الطفولة الدولية (!!)، وهناك تخلت أمينة عن أهم قواعد العمل التجسسي، وهي السرية المطلقة، وتفاخرت أمامهم جميعاً بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب وتنتقم منهم دونما رحمة أو شفقة، وقصّت عليهم الكثير من أسرار عملياتها في بيروت، وبجواز سفرها الإسرائيلي، طارت أمينة إلى تل أبيب تحمل جرعة هائلة من الغضب.
لم يكن لها أصدقاء في إسرائيل، سوى نفر قليل من رجال الموساد، الذين فوجئوا بها وقد بدا عليها الإرهاق، طلبوا منها أن تستريح في شقتها حتى تهدأ. صاحبتها طبيبة نفسية يهودية من أصل عراقي تدعى زهيرة، كانت مهمة الاخيرة ألا تفاتحها في أمر إنهاء خدمتها، فهي ليست منوطة بذلك، ولكن تنحصر في إذابة جدران العزلة النفسية التي تحيط بالعميلة، بدمجها تدريجياً باليهود العرب وخلق محيط اجتماعي موسّع من حولها، لقد حدثتها صديقتها الجديدة عن المهاجرين العرب من اليهود، الذين قدموا من شتى الأقطار المجاورة، وكيف استساغوا العيش في المجتمع الجديد المتحرر، وعن بعض المسيحيين الذين فروا إلى إسرائيل طلباً للحرية والأمن. من بين الذين ذكرتهم، النقيب الطيار منير رضا المسيحي العراقي الذي فر الى إسرائيل بطائرته الحربية الميج ـ 21، وعرضنا لقصته في الحلقتين الثانية والثالثة من هذه السلسلة، وعندما أبدت أمينة رغبتها في لقائه، عرضت زهيرة الأمر على رؤسائها فجاءتها الموافقة، ورتِّب اللقاء في منزل منير بين زوجته وأولاده.
كانت أمينة في شوق بالغ للقاء الطيار الهارب، ليس لأنه عربي بل لتسأله عما يجول في خاطرها من تساؤلات قد تفيدها معرفة إجاباتها، وبابتسامة عريضة على باب منزلهما، رحب منير وزوجته بأمينة. كان منير في ذلك الوقت في الثامنة والثلاثين من عمره، غزته مقدمات الصلع، وكانت مظاهر الثراء بادية جداً على المنزل وأهله، قال لها منير إنه مر بحياة عصيبة في البداية، حيث كان يجهل العبرية وبلا عمل ولا أصدقاء، ويتابعه كظله رجلا أمن في الشارع والبيت، ثم عمل لبعض الوقت في جيش الدفاع، والآن يمتلك وكالة إعلانية كبيرة خاصة به اسمها الأضواء، وتعمل معه زوجته كمديرة لمكتبه وللعلاقات العامة، سألته أمينة: كيف يفشل طيار محترف في القفز إذا أصيبت طائرته في الجو؟ وهل طائرة سكاي هوك الأميركية تتحول إلى مقبرة لقائدها قبلما تسقط؟ أفاض منير في الشروح وأوضح لها أن طائرة سكاي هوك التي طار بها موشيه اعتُمد تصميمها على حماية الطيار، وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج، ويمكن إطلاقه من ارتفاع الصفر وبسرعة الصفر أيضاً، وهو كرسي قاذف من طراز دو غلاس أسكاباك A -C3 وكابينة القيادة فيها مدرعة في المقدمة والمؤخرة والجانب الأيسر، وسمك التدريع حوالي 18 مم، وأكد لها أن زوجها موشيه إما أصيبت طائرته بصاروخ «سام 6 » ، وفي تلك الحالة ربما يكون أسيراً لدى السوريين، أو أن صاروخاً من طراز atoll جو / جو، أصاب به السوريون كابينة قيادته الفقاعية فانفجرت به الطائرة جوًا.
كانت إجابة منير لا تختلف عن الإجابة التي سمعتها من قبل، فلم يعطها إجابة قطعية تؤكد أو تنفي موت موشيه، وبقي السؤال كما هو: هل موشيه بيراد لا يزال حياً في قبضة السوريين؟ أم انفجرت به الطائرة في الجو؟ وفي الحالة الأخيرة لا بد من أن يعثر السوريون على بعض من أشلائه، ومن ثم يعلنون الخبر، وهو ما لم يحدث.
إصرار على الخيانة
في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 غادرت أمينة تل أبيب إلى فيينا، حيث تسلم منها عميل الموساد جواز سفرها الإسرائيلي، وسلمها الجواز الأردني مع تذكرة سفر إلى بيروت فجر اليوم التالي. انطلقت بشوق للعمل كي تثأر لزوجها، تحمل بين أمتعتها جهاز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة، وهو في حقيقته جهاز لاسلكي أكثر تطوراً ولا يمكن اكتشافه، وبحقيبة يدها كانت تحتفظ بالمصحف الشريف، وقد نزعت صفحات عدة منه واستبدلتها بصفحات أخرى تحمل الشفرة (!!!)
في الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر(تشرين الأول) 1973، أطلقت أمينة أولى إشارات البث اللاسلكي إلى تل أبيب: (آر. كيو. آر. وصلت بسلام..الأمير الأحمر في أوروبا.. تعرفت بضابط فلسطيني يدعى أبو ناصر.. وعدني مارون بأن يأخذني معه إلى مبنى الهاتف المركزي.. غادر جورج حبش إلى تونس سراً.. رجاله يقاتلون سبعة من رجال حواتمة.. أبو عمار بالبيت مصاباً بالبرد.. شحنة أدوية وصلت سراً من رومانيا للقيادة.. يوجد نقص كبير في الأنتي بيوتكس. تحياتي).
استقبل الموساد رسالة أمينة بشيء من الاطمئنان والفرح، فالرسالة كانت واضحة الشفرة بلا أخطاء، والأخبار التي حوتها مهمة جداً استدعت دخولها إلى غرفة التحليل والمتابعة على الفور، وسرعان ما تسلمت أمينة أول رسالة بثت إليها من إسرائيل: (تهانينا بالوصول.. اهتمي بتحركات الأمير.. أبو ناصر خبيث جداً فاحذريه.. لا تهتمي بمارون الآن.. من يطبب أبو عمار.. ماذا في
بطن الباخرة كيفين في صيدا.. نريد معلومات عن مخازن الأسلحة في مخيم البداوي في طرابلس ومراكز التدريب الجديدة في قلعة شقيف). بينما كانت العميلة تهيىء نفسها لمستقبل أجمل وأيام حافلة بالعمل والخيانة، فوجئت بأخبار عبور المصريين لقناة السويس واجتيازهم خط بارليف، فكانت صدمتها لا توصف.
نشطت أمينة في عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوب أنحاء لبنان، وجاسوسة إسرائيلية تمد الموساد بالمعلومات الحيوية عن تحركات الفدائيين في الجنوب، الذين شحنتهم انتصارات الجيوش العربية فازدادوا استبسالاً وضراوة، وعاد علي حسن سلامة من أوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة، فالعدو فقد اتزانه والسيطرة على نفسه، والضربات القوية تترك آثارها بوضوح في وجهه المشوه. هكذا انطلق رجال المقاومة في الجنوب اللبناني يضربون في العمق الإسرائيلي بلا كلل، واستدعى ذلك من أمينة أن تترك بيروت إلى صور، ومعها جهاز اللاسلكي الخطير، حيث عكفت على بث رسائلها يومياً، والتي وصلت في أحيان كثيرة إلى خمس رسائل معرِّضة حياتها للخطر، واضطر الموساد أمام سيل رسائلها إلى فتح جهاز الاستقبال على التردد المتفق عليه، لساعات طويلة على مدار اليوم.
اليد الخائنة
على مدى أيام المعارك خلال حرب أكتوبر، كانت أمينة تتحرك فتسعف الجرحى بيد، وتبث رسائلها الخائنة باليد الأخرى، وكانت أول جاسوس للموساد يعمل بجرأة أسطورية داخل بلد عربي، لم يفعلها إيلي كوهين الذي زُرع في سورية قبلها بسنوات قليلة، وكان مرشحاً لمنصب نائب رئيس الجمهورية السورية، وعلى رغم تجواله بين شتى الوحدات العسكرية والقواعد السرية في الجولان، وإقامته المطولة في منطقة الجبهة، بل وعلى رغم حجم الثقة في نفسه، لم يحمل أبداً جهاز اللاسلكي خارج المنزل.
انتهت حرب أكتوبر، لكن العمليات الفدائية الفلسطينية لم تنته، وازدادت شراسة واتسعت مساحتها لتشمل دولا أوروبية وآسيوية. كانت الضغوط شديدة جداً على أمينة خلال تلك الفترة، فالعمليات أربكت إسرائيل وزعزعت أمنها تماماً، وانتقل الضغط العصبي إلى أمينة في بيروت، فالأوامر كثيرة والمطلوب منها كثير ويفوق الوصف، لذلك اضطرت للانتقال تماماً إلى الجنوب اللبناني، واستأجرت شقة في منطقة الشجرة في صور - على مسافة عشرين كيلو متراً من الحدود الإسرائيلية - اتخذت منها مركز انطلاق لاستكشاف تحركات الفلسطينيين، واتصلت بأبو ناصر الضابط الفلسطيني الذي سبق أن حذرها الموساد منه في أولى رسائل البث اللاسلكية، واستخدمت معه أسلوب الإثارة والاستفزاز، وهو أسلوب يدفع المرء الى إخراج ما عنده من دون أن يطلب منه ذلك، واستطاعت أن تدفعه دفعاً الى الإفصاح عن عملية فدائية ستتم في اليوم التالي داخل الأراضي الإسرائيلية، تصنعت الفرح وهللت: كيف؟.. إنكم لشجعان حقاً عندما تنقلون عملياتكم إلى قلب الدولة اليهودية، لكن في ذلك خطراً جسيماً على رجالكم، أجابها مزهواً بأن كل شيء معد، وخطِّط لكل احتمالات الطقس بدقة متناهية. حاولت أن تعرف مكان الهجوم وكيفية التسلل، لكن الضابط الفلسطيني الحذر لم يتفوه بأكثر من ذلك.
ظلت أمينة تطارد أبو ناصر مستخدمة أسلوبها في الإثارة إلى أن نجحت في دعوته لقضاء سهرة في بيتها، فهيأت له نفسها، حتى إذا ما تمكنت منه انطلق لسانه متباهياً بعبقريته العسكرية، وكيف أنه جهز فريقاً من أكفأ رجال الكوماندوز للتسلل إلى داخل الحدود الإسرائيلية، لضرب مدينة نهاريا الساحلية بالصواريخ، التقطت أمينة الخبر من دون تعليق، وكل ما فكرت فيه لحظتها هو كيف
تحتويه أكثر وأكثر فيزداد انطلاقاً وتتبعثر منه الأسرار كالشلال، ولم يكن أمامها إلا أن تمثل دور العشيقة القلقة، واستحضار نبرة الدفء المصطنعة والمشوبة بالخوف، لكنه على رغم غرقه في بحر المتعة معها لم تنفك عقد انطلاقه كلها فيعلن عن عملياته المرتقبة بالتفصيل، هكذا تعلم أبو ناصر وتدرب في المخابرات العسكرية، وأجاد الاحتماء بالحس الأمني العالي حتى في أقصى حالات
ضعفه الإنساني.
في مبنى الموساد كانت الوجوه مرهقة متوترة، فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها والمعلومات المتاحة بعيدة عن التفاصيل، ومنذ صدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانت رسائلها تجيء مشوهة، كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أن العميلة وقعت في بؤرة الشك، أو أنها انكشفت فعلاً، فخبر التسلل الأخير عبر البحر كان حقيقياً من حيث التوقيت لا المكان، أما خبر عملية تل أبيب فكان أكثر شكاً وغموضاً، فصدرت الأوامر لأمينة بمغادرة صور إلى بيروت فوراً، والتوقف نهائياً عن جلب المعلومات أو بث الرسائل، لكن العميلة الغاضبة العنيدة بثت رسالة إليهم قلبت الموازين كلها، وأذهبت بعقول الكبار قبل الصغار في الموساد. أرسلت لهم عن تسلل سبعة فدائيين في غبش الفجر، يحملون أسلحة الـ آر.بي.جيه، ومدافع الكلاشينكوف القاذفة، وقنابل ومتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستة كيلومترات شمالي نهاريا) بمناسبة عيد إسرائيل القومي، فانطلقت قوات الأمن تطوّق المستعمرة، وانتشرت نقاط التفتيش على كل الطرق، ومع أولى تباشير 15 مايو (أيار) 1974، كانت المعركة الشرسة بدأت، لكن في منطقة أخرى أبعد عن تصوّرهم وتوقّعهم. بعد ست ساعات ونصف الساعة، أسفرت المعركة عن إصابة 117 إسرائيلياً بينهم 25 قتيلاً . لم تنصت أمينة لأوامر رؤسائها في الموساد بالتوقف - موقتاً – عن العمل، فما كان ذلك إلا لحمايتها، لكنها
كانت ككتلة الثلج التي ذاب ما حولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها أو التصدي لها، كانت تحمل روحها على كفها، ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً، وفي لحظة استجمعت جرأتها وطلبت من مارون الحايك أن يزورها في شقتها في بيروت، فأسرع إليها يمنّي نفسه بليلة ساخنة، لكنه ما إن دلف إلى الصالون، حتى وقف مذهولاً، وقد تجمدت الدماء في عروقه وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء على الحائط.
المصارحة
صارحت أمينة الحايك بكل شيء، وأنها عميلة للموساد، وأنه شريكها، وأطلعته على صور فاضحة تجمعهما، وأسمعته صوته وهو يمليها أرقام تلفونات رجال المقاومة، وانتهت الجلسة بأن وقّع على إقرار بالتعاون مع الموساد، وطلبت منه أن تدخل الى غرفة السنترال المركزي لتستمع بنفسها للمكالمات بين القادة الفلسطينيين، وهو مطلوب منه أن يفعل ذلك ويعلم بمواعيد العمليات الفدائية وأماكنها داخل إسرائيل. أسفرت تلك العملية عن فائدة عظيمة لإسرائيل، فالتجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة، ولم تكن الأحاديث الهاتفية مكشوفة تماماً، يستطيع المتنصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها، لكن زعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية في ما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناً منهم - وهذا خطأ كبير - أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل من قبل اللبنانيين، فالدوائر الهاتفية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى في بيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة، وكذلك الاتصال بخارج المدينة. كانت السرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت، أو استراق السمع بأسلوب الحايك، من خلال الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا لبنان للتجسس على الفلسطينيين الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها.
اتصل الحايك بأمينة قبل فجر 23 مايو (أيار) 1974، ففتحت على الفور جهاز اللاسلكي، وبثت إلى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن - سيهاجم ثمانية من الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت.. تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم.. شالوم) وبالفعل صدقت المعلومة تماماً، وأطبق الإسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. عندما كانت أمينة تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبش، ولاحظت بعد مكالمات عدة له، أن هناك ترتيبات عسكرية تُعد بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا، وبدا حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو (حزيران). في غمرة انفعاله، نطق اسم كيبوتز شامير سهواً، لم تهمل عميلة الموساد الأمر، وأبلغت رؤساءها على الفور بما سمعته، وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة من الفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبل أن يستعملوا رشاشاتهم الآلية، وفي 27 يونيو (حزيران)1974 لقي ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة من الجنود الإسرائيليين في نهاريا... هكذا كانت أخبار العمليات الفدائية تصل أولا بأول إلى إسرائيل ويتم التعامل معها قبل أن تتم.
أمينة المفتي... أبلغت الموساد بخطّة رصد لاغتيال الملك حسين
كانت الحكومة الإسرائيلية مصمِّمة على تدمير البنية العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشمل دبلوماسية سرية، فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنانية، حيث دعم الاتصالات معها على اعتقاد بأنها ستوفر مزايا مهمة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان والتجسس على الجيش السوري. لذلك كانت صفوف طويلة من عملاء الموساد تعمل في لبنان باطمئنان وبلا خوف من السلطات اللبنانية، لكن الخوف كان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني الذى يرأسه علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشف أكثر من عشرين عميلاً للموساد بين صفوف المقاومة وأعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريب بدوائر من الشكوك والريب.
في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1974عندما كانت أمينة في غرفة المراقبة السرية بالسنترال، صُعقت وهي تستمع إلى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه، وأدركت أنها النهاية المؤكدة للملك حسين، كانت تنصت إلى حوار هادئ بين عبد الوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمد جبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إسرائيل منذ فترة وجيزة، ولم يكن في الحوار أمر ذو أهمية. تحولت الى خطوط عرفات فكانت مغلقة، طرأ في بالها أن تدخل على خط علي سلامة، وكان يتحدث مع أبو نضال، فضغطت على زر التسجيل ووضعت السماعات فوق أذنيها، وذهلت مما سمعته، لقد كان يدبر لاغتيال الملك حسين أثناء حضوره مؤتمر القمة العربية الذي كان منعقدًا وقتها في الرباط !!.
أرسلت المعلومة فورًا الى الموساد، وبعد 36 دقيقة جاءتها رسالة تطلب منها إعادة البث، وكان القلق اعترى إسرائيل خوفا على الملك حسين، ومرت ثلث الساعة إلا دقيقة، حيث جاءت رسالة أخرى تحمل أمراً في غاية العجب والدهشة، جاءتها أوامر بالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله، وتعجبت من كونه أباً وله عيال، فكيف تقبل جورجينا رزق ملكة جمال الكون أن تكون زوجة ثانية، ولم تعرف بأن له زوجة أولى من أسرة الشيخ أمين الحسيني، وهي نفسها أم أولاده.
كانت المذابح التي مات فيها عشرات الآلاف من الأبرياء، المعروفة باسم «أيلول الأسود» وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات، والتي يترأس عملياتها سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثم توالت العمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملك حسين، وحالف الحظ هذا الأخير، عندما تمكنت السلطات المغربية من إلقاء القبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من إسبانيا لاغتياله، وعُتِّم على الأمر خصوصا وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول على أكبر دعم عربي لشرعية منظمة التحرير، وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
الخطأ القاتل
انشغلت أمينة بشكل لم يسبق له مثيل في عمليات التنصت على هواتف القيادات الفلسطينية، بل إنها استطاعت تجنيد صديقتها خديجة زهران، وكانت مقدمات للحرب الأهلية اللبنانية بدأت وغطت على كل شيء، وأصبح مقاتلو أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى، وعندما طلبت أمينة الإذن بمغادرة بيروت إلى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصة مناسبة لدخول شقة سلامة ومحاولة
الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراته في أوروبا، وخطط العمليات المستقبلية المطروحة. انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة في الكورال بيتش كالمعتاد، وسألته في خطأ فادح وقاتل عن أولاده، فدهش الرجل الذي لم يحدثها عنهم من قبل مطلقاً، وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها، وقرر البحث عن ماضيها وطلب من رجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عن الطبيبة الأردنية أمينة داود المفتي، التي يعيش أهلها بحي صويلح، أرقى أحياء عمان وأروعها، فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنها إلى النمسا للدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا تعيش في عمان، فاطمأن سلامة لتحريات رجاله وتجددت ثقته بأمينة، لكن بلاغاً سرياً من أوروبا وصل إلى مكتب المخابرات، قلب الأمور كلها رأساً على عقب. أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في فرانكفورت، صرح لأحد المصادر السرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد لقاءات عدة بينهما في مقاهي المدينة، أخبره بأن له صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثر تعاطيها جرعة زائدة من عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربت معه إلى إسرائيل خوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها، وأن الفتاة كانت تدرس الطب في النمسا، وانتقلت إلى لبنان بعدما أسقط السوريون طائرة زوجها، الذي اعتبر مفقوداً. كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلو أن الأمر صحيح فهناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين. طلب سلامة إعادة استجواب الشاب في فرانكفورت، ولو اضطروا لأخذه إلى النمسا ليدلّهم على الفلسطيني الآخر، وذيّل أوامره بضرورة السرعة، وإلى حين تصله معلومات أخرى، طلب حصر كل الطبيبات العربيات المتطوعات في المستشفيات الفلسطينية واللبنانية أيضاً.
كان سلامة شاباً خارق الذكاء، شاهد بنفسه مقتل والده بيد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره، وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر إلى المياه والكهرباء، وفي نابلس أكمل تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، وبعدما حصل على الثانوية العامة بتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت مجتمعاً لكبار المثقفين الفلسطينيين، وتخرج في الجامعة مهندساً ليلتقي بياسر عرفات الذي كان أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلت حياته كلها، إذ شغل منصب قائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية «رصد » ورئيس العمليات في منظمة أيلول الأسود التي دوّخت إسرائيل بعملياتها الفدائية المذهلة.
استغل سلامة ذكاءه الشديد في تعقّب الخونة والجواسيس الذين يُزرعون بين صفوف المقاومة، وتمكّن من كشف عشرين منهم خلال فترة وجيزة، وحصل على دورات تدريبية على أيدي رجال المخابرات المصرية، وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا، وأفلت مرات ومرات من محاولات فاشلة لاغتياله، وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوّعة تعمل لصالح الموساد في بيروت، كانت أمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضم أسماء 37 طبيبة، أربعة منهن فحسب حصلن على شهاداتهن العلمية من جامعات النمسا، وكن جميعاً آنسات إحداهن بالطبع كانت أمينة داود المفتي.
الرسالة الأخيرة
والى أن يصل التقرير الحاسم من أوروبا، أمر سلامة بوضع الممرضات الأربع تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة، كان السباق محموماً للوصول إلى الحقيقة بأسرع ما يمكن، وبينما الطقس مشحون بالشكوك والترقب، أحست أمينة بعيني الجاسوسة المدربة، بأن هناك عيوناً ترصدها، ولا تترك لها مساحة من الحرية لتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً، وأول ما فكرت فيه هو التخلص من جهاز اللاسلكي، دليل الإدانة الذي سيقدمها إلى حبل المشنقة، فبثت رسالتها الأخيرة إلى الموساد: (آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس.. أنا خائفة ومرتبكة.. سأموت رعباً.. أفيدوني.. شالوم)، وبعد أقل من نصف الساعة جاءها الرد يقول: (ضعي الجهاز بسلة قمامة الشقة العلوية.. احرقي الشفرة.. غادري بيروت بهدوء إلى دمشق بطريق البر.. ستجدين رسالة بمقهى الشام)، تنفست أمينة الصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامر رؤسائها.
هروب فاشل
حملت أمينة حقيبة يدها الصغيرة وغادرت شقتها، لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروب ومطاردة بين الجاسوسة الخائفة ومطارديها، وفي موقف السيارات المتجهة إلى دمشق اعتقدت بأنها أفلتت من المراقبة، حتى إذا ما صعدت إلى الباص واطمأنت في مقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان إلى جوارها، فألجمها الخوف وانخرست، واعتقدت بأنها النهاية الحتمية لمشوار خيانتها، فقررت بألا تموت على أيدي الفلسطينيين، وفي تصرّف لاشعوري مدت أصابعها تبحث عن كبسولة سم السيانيد بين خصلات شعرها، لكن أيدي رجلي الأمن كانت الأسرع، إذ انقضت عليها كما تنقض الكوبرا على فريستها، واقتيدت إلى سيارة بيجو استيشن مفتوحة الأبواب كانت تنتظر خلف الباص، يقف إلى جوارها رجلان آخران جامدا الملامح، وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت ساقاها في حملها، فاضطر الرجلان إلى رفعها عن الأرض رفعاً، وألقيا بها إلى داخل السيارة التي انطلقت كالريح إلى حي الفكهاني، تسبقها سيارة أودي - 80 - إل إس تقل أربعة رجال مدججين بالسلاح.
أمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحب الرجال العميلة المغماة إلى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيّقة تحت الأرض، تكبِّل يديها من الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت إلى الحائط. لم يكن لدى المخابرات الفلسطينية، حتى وهم يراقبونها، دليل واحد ضدها، فالتقرير لم يصل بعد من أوروبا ليؤكد براءتها أو تورّطها، لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلها تنطق
بالخوف وتضج بالرعب، ولأنهم اعتادوا تلك الملامح التي ترتسم عادة على وجوه الخونة، أيقنوا بأن الأمر خطير جدًا، وأن الطبيبة المتطوّعة متورّطة في جريمة كبرى، وتحولت شكوك رجال الأمن الى يقين مؤكد بعدما تعرضت المادة السائلة بالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السيانيد الذي تكفي نقطة منه لقتل فيل بالغ.
كان لا بد من ترك أمينة هكذا لأيام عدة من دون استجواب، حتى تنهار إرادتها إلى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى، ثم قام فريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً غاية في الدقة، ولمرات عدة فشل في العثور على دليل يدينها، فالعميلة المدرّبة وعلى رغم خوفها الشديد، وجدت أمامها الفرصة الطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها إلى الموت، ولم تترك
خلفها سوى المصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه صفحات عدة، هي في مجملها كل سورة «بني إسرائيل»، وصفحة ونصف الصفحة من سورة «الكهف»، وكان هذا الأمر يمثل لغزّا محيراً لرجال «رصد ».
كان جهاز الأمن والمخابرات «رصد» يعمل في تلك الفترة تحت قيادة أبو إياد «صلاح خلف»، الأب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمة أيلول الأسود، برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات والدينامو المحرك والعبقري الفذ، ويعد الجهاز أكثر العناصر المكونة سرية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، فهو جهاز الاستخبارات الأولية وعمليات مكافحة الجاسوسية، وفيه وحدة سرية للعمليات الخاصة، وله مكاتب في كل من لبنان ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسورية، ويصعب تقدير عدد أعضائه على وجه الدقة. كان أبو إياد معلم الجواسيس الأول في منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن أمنها وجهازها السري، وما إن وُضع أمامه تقرير كامل عن أمينة المفتي، قال لسلامة: يجب ألا نعاقب امرأة عربية من دون أدلة قطعية قوية تؤكد إدانتها، فلننتظر تقرير رجالنا في أوروبا، وحتى يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب.
كان رجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلف الشاب الفلسطيني العابث، يرافقهم الشاب الآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه من فرانكفورت رأساً إلى فيينا، فهو الوحيد الذي يمكنه التعرف إليه بسهولة. هكذا جابوا شوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها من دون جدوى، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته، ولم يكن أمام الرجال إلا طريقة واحدة - غاية في الخطورة - لاستجلاء الحقيقة من مصادرها الرسمية، وهي البحث عن سجلات مكتب الزواج من أجانب، وكان الخوف كل الخوف من لفت انتباه رجال الموساد في النمسا إلى ما ينقبون عنه، لذلك كانت عملية البحث تتم تحت ستار كثيف من السرية والتكتّم، وبواسطة خطاب مزوّر صادر عن السفارة الأردنية في فيينا، يخاطب إدارة مكتب الزواج من أجانب، أمكن الوصول إلى عنوان شقة أمينة وحقيقة الزواج المحرم. في الحال، طار أحد الضباط إلى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج، في الوقت ذاته الذي اقتحم فيها رجال «رصد » شقة أمينة في فيينا، حيث عثروا على أجندة متوسطة الحجم، سجلت فيها مذكراتها وتفاصيل عملياتها في بيروت قبل رحلتها التدريبية الأولى الى إسرائيل.
السقوط
أخيرا انكشف أمر أمينة، من دون أن يلاحظ رجال الموساد المنتشرون في النمسا أي شيء، أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاء ينقبون عن ماض غامض لعميلتهم المدرّبة. تجمعت كل الأدلة على مكتب أبو إياد الداهية، ولم يكن أمامه سوى محاصرة أمينة والسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغته للموساد، ودورها الحقيقي في ترصّد حركة المقاومة، خصوصا بعد فشل عمليات فدائية عدة كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً لترشد عن بقية أعضاء شبكتها في بيروت أو خارجها.
كانت هناك خطط عدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتّبعها رجال المخابرات الفلسطينية، أما والحالة هنا لامرأة عربية فالوضع يختلف، إنها إحدى الحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله، لذلك اقترح علي حسن سلامة الاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراً لدى السوريين، وأُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية
مبادلة نشرت عنها الصحف، وكان الغرض من ذلك كله إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحسّ بالندم الشديد على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب، وعلى ذلك سربوا إليها إحدى الصحف اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط الكثير من زملائه، قبلما يغادرون سورية إلى إسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر، كانت هناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت خصيصاً للمهمة المحددة. وفي تدبير متفق عليه، دخل الحارس يقدم إليها طعام الإفطار وفي يده نسخة من تلك الصحيفة، شاهدت صورة موشيه في الصفحة الأولى، توسلت إلى الحارس أن يقرأ لها المكتوب، فرفض ونهرها، لكنها زادت توسّلاتها فوضع الصحيفة على الأرض، وكانت يداها مربوطتين للحائط بالسلاسل، لكنها تمكنت من قراءة الخبر، موشيه إذن حي، وعاد لإسرائيل، ألجمتها المفاجأة، غمرتها مشاعر الفرح مع الندم، كادت أن تصرخ، وصرخت بالفعل، فقدت توازنها، وتناست الآلام المبرحة التي تسبّبها لها القيود الحديدية في الزنزانة المظلمة.. سيطرت عليها مشاعر مختلطة كادت تفتك بها، فكانت تضرب برأسها في الحائط، وتصرخ .. وتنادي موشيه أن يأتيها لينقذها.
أمينة المفتي... بعد القبض عليها نجحت في تجنيد حارسها
في 8 سبتمبر (أيلول) 1975، وبعد تسعة أيام من اعتقالها، اقتيدت أمينة المفتي إلى مكتب ضابط مخابرات فلسطيني يدعى «أبو داود»، وبدأ باستجوابها متّبعّا أسلوبًا هادئًا، وواجهها بمذكراتها التي كتبتها بخط يدها وخبأتها في شقتها في فيينا، فعللت ذلك بأنها مريضة بالتوهّم وبأحلام اليقظة، وأنكرت كل ماهو منسوب إليها، وكانت إجاباتها مرتبة منسقة خالية من أي تناقض حسبما تدربت على ذلك، وبدت ثابتة تمامًا أثناء التحقيق معها. كان مطلوبًا من أبو داود الإسراع بأخذ اعترافاتها قبل أن يهرب أعضاء شبكتها، واستمرت أول جلسة تحقيق معها 18 ساعة متصلة من دون أن تبدي أي ضعف أو انهيار، وكانت كل أسئلة المحقق لها إجابة منطقية عندها، ما عدا شيئا واحدا، إنه سم السيانيد، واستفادت من دراستها للطب النفسي، فبررت وجوده معها بأنها مريضة بمرض الجنون الدوري الذي يدفعها للتفكير في الانتحار(!!)، لكن لا يغيب عن رجال المخابرات أن هذا النوع من السم غير موجود في الأسواق، ويستخدمه رجال المخابرات فحسب للتخلص من ضحاياهم، وبالتالي كان وجوده معها قرينة مؤكدة أنها عميلة مخابراتية، وأمام نفيها لكل شيء تخلى أبو داود عن أسلوبه الهادئ، وقرر أن يتحول إلى أسلوب القهر والتعذيب، وأناب عنه زميله «أبوالهول» في مواصلة استجوابها. كانت أمينة تعلم أن أدلة تورّطها في الخيانة هشة جدا، وكانت تعد نفسها للاستجوابات التالية، لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد هي أن السلطات اللبنانية تدخلت للإفراج عنها لدى الفلسطينيين، لتقوم هي بالتحقيق معها. رأى الفلسطينيون أن يسلموها للسلطات اللبنانية كي لا تزداد الخلافات حدة، في وقت كانت الحرب الأهلية بدأت تستعر نيرانها. رأت السلطات اللبنانية أنها بريئة، وأن الشكوك التي أحاطت بها ظالمة، وهي طبيبة عربية مخلصة لوطنها(!!)، وخيروها بين البقاء في بيروت أو الرحيل عن لبنان.
كهف السعرانة
في أعقاب ذلك، قام أبو إياد بزيارة منزلية للشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني، وقال له إن التعاون الأمني بين المنظّمة والسلطات اللبنانية أمر مطلوب، لأن في لبنان طوابير من جواسيس الموساد يجوبون فيها شرقا وغربا، وطلب منه أن تبقى أمينة في حوزتهم لثلاثة أيام ليتمكنوا من كشف شبكتها. وافق تقي الدين على مطلب أبو إياد وأمر باعتقال أمينة مرة ثانية والبحث في أمر العملاء الآخرين.
عادت أمينة مرة أخرى الى زنزانتها تحت الأرض مقيّدة بالسلاسل الغليظة، وطرح رجال المخابرات الفلسطينيون فكرة نقلها الى مكان آخر تحسبًا لأن تعود السلطات اللبنانية بطلبها، أو يقوم الموساد بعملية كوماندوس لخطفها، أو تفجر المكان لسد الطريق على اعترافاتها، لكن صلاح خلف «أبو إياد» رأى أن تُنقل بأسلوب آخر، لأن نقلها الى مكان جديد موحش سيشعرها بالخوف
والرهبة ويجبرها على الاعتراف. استقر الرأي على نقلها الى كهف السعرانة في الجنوب اللبناني، بالقرب من شاطىء البحر المتوسط، حيث توجد معسكرات الفدائيين الفلسطينيين بالقرب منه.
وسط حراسة مشددة، نُقلت أمينة في سيارة عسكرية وهي مغماة الى منطقة الكهف المذكور، وظلت السيارة تسير بها قرابة ساعتين، وبعدها اصطحبتها أيادٍ خشنة في طريق صاعد وسط الصخور استغرق حوالي ساعتين أيضًا، ثم رفعوا الغمامة من على عينيها، فرأت المكان الموحش المرعب الذي نقلت إليه، ولم تعرف أين هي بالضبط، إنها على مشارف مغارة لكن لا تعرف في أي أرض تقف، ثم اقتيدت الى مكان شبه مظلم، روّعها ما رأت فيه، فلقد رأت فتاة في مثل سنها مربوطة من قدميها إلى السقف والدماء تسيل من كل جزء من جسدها، كانت جائعة وعطشانة تحلم بكسرة خبز سوداء وشربة ماء ولو من مياه الصرف، ورأت رجلا صارما يطلب من جنوده أن يربطوا يديها ورجليها من خلف، ويعلقوها حتى يجيء أبو الهول.
تعرضت أمينة لأساليب تعذيب نفسية شديدة للغاية، إلى جانب التعذيب البدني، وقام رجال المقاومة بقتل الفتاة التي كانت معلقة بجوارها رمياً بالرصاص على مرأى منها، واتضح بعد ذلك أنها تمثيلية أعدّت باتقان لبث الرعب داخل أمينة فتنهار وتعترف، وأن الفتاة المعلقة كانت صديقة لرجال المقاومة، وقامت بأداء دورها بكل اتقان على رغم أنها فرنسية الجنسية، وكان من نتائج تلك
التمثيلية المحبوكة أن تعالى صراخ أمينة تطلب أن يكف الجنود عن ضربها بالسياط ويخرجوها لأنها ستعترف بكل ما عندها.
أمام أبوالهول
اقتيدت أمينة للاستجواب في مكان خال في الجبل، حتى يبدو أنه خال من أجهزة تنصّت، لكنه في الحقيقة كان مجهزا بدائرة تسجيل تعمل ببطارية سيارة جيب تقف على بعد عشرات الأمتار. تولى أحد الضباط التابعين للعقيد أبوالهول أمر استجوابها فسألها: من هو رئيسك المباشر في الموساد؟ لكنها أجابت: سأموت عطشا.. اسقني، لكنها قبل أن تكمل جملتها كان رد الضابط إشارة بإصبعه
الى أحد الجنود ليهوى سوط من نار على ظهرها، فأجابت على الفور: اسمه اشيتوف، فسألها: أين جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة؟ أجابت وهي تنظر الى الكرباج برعب: أمروني أن أضعه في صندوق قمامة أعلى شقتي، وأن أحرق أوراق الشفرة التي كانت بالمصحف. زاد الضابط المحقق جرعة التعذيب والضغط النفسي عليها كي لا يعطيها فرصة للتفكير والكذب، وأوحى لها أن موشيه
كان رجل مخابرات إسرائيليًا تزوجها لتجنيدها وأنه لم يكن يريد منها سوى ذلك، فتوالت اعترافاتها كالسيل، كي لا يتعصب وينفذ تهديده بقتلها بالرصاص، فاعترفت على كل شركائها في لبنان، بمن فيهم مدير السنترال الذي فتح لها الغرفة السرية للتنصت على مكالمات رجال المقاومة. بعد ذلك حضر العقيد أبوالهول بنفسه بوجهه العابس وملامحه الجامدة، وشرع في توبيخ الضباط والجنود الذين لم يعذبوها بما فيه الكفاية، ولامهم أشد اللوم لأن جسدها لا ينزف كله، فإذا ما راحت في شبه غيبوبة من الرعب والخوف وتأكد من انهيار مقاومتها تماما، أخذها ليستجوبها ثانيةً بنفسه، وأمام العقيد أبوالهول، أجابت أمينة عن كل أسئلته، واعترفت بكل شيء، وقصت قصتها كاملة منذ ذهابها الى النمسا وزواجها بموشيه اليهودي واعتناقها لليهودية ثم هجرتها لإسرائيل وعملها مع الموساد.
بعد انتهاء التحقيق معها واستيفائه، أُرسِل الملف بالكامل الى أبو إياد ثم ياسر عرفات، وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي قُبض على مدير السنترال مارون الحايك، ومانويل عساف، وخديجة زهران، لكن عساف ألقى بنفسه من الطابق الخامس ليلقى مصيره منتحرا، في حين استسلم الحايك وخديجة لرجال المخابرات الفلسطينية، واقتيدوا إلى حيث ترقد أمينة في كهف السعرانة، وعلِّقا أمامها، والسياط تلهب ظهريهما، واعترفا تفصيليا بكل ما فعلاه، وبعد انتهاء التحقيق معهما سلِّما للسلطات اللبنانية لمحاكمتهما.
أما أمينة فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمها للسلطات اللبنانية، ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية بتسليمها. تغاضى الوزير عن ذلك، وانكمشت أمينة في محبسها مكبلة بالحديد تنتظر الموت بين لحظة وأخرى، وخضعت لاستجوابات تالية عدة للكشف عن المعلومات التي أدلت بها للموساد لتلافي أي خطر يحيق برجال المقاومة، وليقوموا بتعديل خططهم وتحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم
التي انكشفت، ويبدو أن اعترافاتها لم تكن كاملة، فقد أخفت الكثير عنهم، وذلك حسبما اعترفت بعد ذلك في مذكراتها التي نشرتها في إسرائيل في أكثر من 600 صفحة.
نشرت الصحف اللبنانية خبر القبض على أمينة وأفراد شبكتها، فارتجت كل أجهزة الموساد، وجرت اجتماعات غير عادية لكبار قادتها، فلا بد من عمل المستحيل لاستعادة عميلتهم الأسطورية، وإلا فإن جواسيسهم في لبنان سيقعون أو سيهربون خوفا وهلعًا. على جانب آخر، أرجأ ياسر عرفات تقرير مصير أمينة، وعارض رأي علي حسن سلامة الذي طلب سرعة إعدامها، فقد كان عرفات
يرى فيها فرصة لاستعادة عدد من رجال المقاومة الموجودين في سجون إسرائيل.
لم تضع أمينة وقتها في السجن هباءً، وراحت تنسج شباكها على واحد من حراسها ويدعى حسن الغزاوي، فأقنعته بأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمِّها الذي يشغل منصبا كبيرا في البلاط الملكي الأردني، لأنهم تصوروا أنه أحد المحرضين على مذابح أيلول الأسود، فتعاطف الرجل معها. أجادت أمينة لعبة السيطرة عليه، لدرجة أنه أصبح يحلم بالذهاب إلى إسرائيل معها، وبدأ يستجيب لأفكارها في إمكان تهريبها وهروبهما سويا عبر الحدود، فكانت بذلك أول عميلة للموساد تجنّد حارسها. لكن حلمهما خاب عندما أفضى الجندي بسره إلى أحد زملائه في المخيم، فروقب وضُبط وهو يحاول إدخال سترة عسكرية لأمينة كي ترتديها في رحلة الهروب!، وانتهى حلمه بإعدامه رمياً بالرصاص في أكتوبر (تشرين الاول) 1976، وضوعفت القيود الحديدية بيدي أمينة ورجليها، وشُدت مصلوبة إلى الحائط، وقلِّل المنصرف لها من الطعام والشراب، حتى تقيحت أطرافها وشحب جسدها، ومرت خمس سنوات وهي بتلك الحالة، حتى باتت لا تحلم إلا بالموت ليريحها من هذا العذاب القاسي جدا.
مبادلة بالأبطال
كانت منظمة الصليب الأحمر تكثف من اتصالاتها بالجانب الفلسطيني سعيا وراء مبادلة أمينة، لكن العرض الإسرائيلي كان هزيلا، فقد طلبوا مبادلتها بفلسطيني واحد شريطة ألا يكون متهما بقتل إسرائيليين، فرفض عرفات واشترط لمبادلتها الإفراج عن اثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين، وهما محمد مهدي بسيسو المحكوم عليه بالمؤبد في إسرائيل بسبب قيامه بعملية فدائية بواسطة زورق عام 1971 أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الإسرائيليين، ووليم نصار المحكوم عليه بالمؤبد أيضا لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968 بالقدس.
قوبل الرد الفلسطيني بتعنّت، وقال ممثل الصليب الأحمر لياسر عرفات إنها لا تساوي شيئا عندهم، فهي مصنفة على أنها خائنة لوطنها ودينها وأهلها، فكان رد عرفات أن لا حل أمامه سوى الاستجابة للضغوط وإعدامها أمام شاشة التلفزيون لتكون عبرة لكل عملاء إسرائيل، فانزعج إسحاق حوفي من هذا الرد، لأنه يصيب كل عملاء الموساد في الدول العربية بالهلع، وقد يتسبب ذلك
في تعطيل شبكاته التي أنفقوا عليها ملايين الدولارات، ولم يجد بدًّا من الاستجابة لطلب الفلسطينيين، على أن يترك لمنظمة الصليب الأحمر اختيار البلد الذي تتم المبادلة على أرضه وتحت حمايتها.
قامت منظمة الصليب الأحمر بتنشيط اتصالاتها بعدد من الدول لكي تتم عملية المبادلة على أرضها، فرفضت حكومات فرنسا وإيطاليا واليونان وبلغاريا، بينما وافقت حكومات تركيا ورومانيا وقبرص على تأمين الحماية للطرفين فوق أراضيها، ووافق الطرفان على قبرص، وأعلن وزير الداخلية القبرصي أن عملية المبادلة حدّدت في 13فبراير (شباط) 1980 على أرض مطار لارناكا الدولي، وتقرر إغلاق المطار أمام الملاحة الدولية في هذا اليوم بدءاً من الساعة 14:00 حتى الساعة 20:50، وظلت الأعصاب متوترة مشدودة منذ تقرر المكان والزمان.
قبل الموعد بعشرة أيام، زار أمينة في السجن ضابط من قيادة المنظمة، وأمر بفك قيودها، وتقديم الطعام الشهي لها لتستعيد قوامها، وأعطاها محاضرة بليغة في القيم، وشرح لها حجم جريمتها في حق وطنها ودينها وأهلها، وقال لها إنها مسؤولة عن آلاف الأيتام ومئات الأرامل، وكم من بيوت خربت بسببها، وكم من دماء طاهرة سالت بسبب خيانتها، فكانت تبكي، ولا أحد يعلم أهو بكاء الفرح أم بكاء الندم، لكنها تعترف في مذكراتها بأن كلمات الضابط كانت أقسى من رصاصات مدفع رشاش تخترق جسدها.
في صباح 9 فبراير (شباط)، نقلت أمينة سرا إلى معسكر جنوب صيدا، ونقلت مساءً بسرية تامة إلى بيروت، وسط طابور من سيارات الحراسة المسلحة، حيث أودعت إحدى الغرف في مقر المنظمة في بيروت، بعدما قضت في كهف السعرانة 1561 يوما طبقا لحساباتها التي نشرت في مذكراتها، وفي مقر المنظمة رافقتها فتاتان، ونامتا معها، لكنها لم تنم ليلتها، فهي لو سافرت الى إسرائيل لن يُسمح لها بمغادرتها، وستعيش باقي عمرها فيها، وتذكرت لحظتها أمها وأسرتها، فانتفضت من فراشها تصرخ وتبكي: لا أريد العودة الى إسرائيل.. اتركوني هنا، اعدموني هنا، أعيدوني لسجن كهف السعرانة، أكره إسرائيل.. أكرهها، كانت في قمة ندمها، وتوسلت لهم أن يعدموها، أو يتركوها بقية حياتها في السجن مكبلة بالحديد لكن لا يتركوها تعود لإسرائيل، فكان رد الضابط أنهم سيبادلون خائنة باثنين من الأبطال، ثم دخل طبيب ليحقنها بمخدر جعلها تروح في نوم عميق.
في مساء 13 فبراير (شباط) 1980، اقتيدت أمينة وسط حراسة مشددة إلى مطار بيروت، وركبت طائرة خطوط الشرق الأوسط وسط عدد من الضباط والجنود الفلسطينيين وممثلي الصليب الأحمر، واتجهت الطائرة إلى أنقرة، خشية اعتراضها من سلاح الجو الإسرائيلي، ومن أنقرة عادت الطائرة إلى قبرص، داخل الغلاف الجوي اليوناني.
النهـاية
كانت قبرص في هذا اليوم تعيش يوما عصيبا لم تر مثله، حيث شهدت استنفاراً أمنيا ًغير مسبوق، وامتلأت شوارعها بالسيارات المصفّحة، واعتلت القناصة الأسطح، وأحاطت المدرعات بمطار لارناكا، ولما هبطت الطائرة اتجهت إلى حظيرة خاصة تحيط بها أرتال من المدرعات، وحبس الجميع أنفاسه لحين هبوط طائرة العال الإسرائيلية، ولما حانت لحظة إخراج أمينة تمنعت بشدة، فحملها ضابط على أكتافه وأودعها مدرعة قبرصية أقلّتها الى طائرة العال في اللحظة نفسها التي كانت مدرعة أخرى تقل البطلين الفلسطينيين.
استغرقت عملية المبادلة حوالى 43 دقيقة حبس فيها الكل أنفاسه، راحت خائنة، وعاد بطلان، وكان ياسر عرفات في شرف استقبالهما. أما أمينة فقد انتهت بها الحال بالعيش أشهر عدة في مصحة نفسية، ثم انقطعت أخبارها بعد ذلك، وتعددت روايات كثيرة حول مصيرها، فهناك من يقول إنها قامت بعمل جراحة لتغيير ملامحها وهاجرت الى الولايات المتحدة، وهناك مصادر تقول إنها هاجرت إلى جنوب إفريقيا.
وما زال تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي يعج بعشرات أو مئات القصص المماثلة.
|
|
| |
| |
|
|
|